الرباط لا تأكل لحم الإبل
إضافة: الدكتور عدنان سيلوم
مهما حاولت الأنظمة تدجين الشعوب وتخديرها بوسائلهاالكلاسيكية: (الخطاب الرسمي، الدعاية، الإعلام…) والحديثة: (تبني التفاهة والتافهين) إلا أن وعي الشعوب يبقى جمرا متقدا تحت كل الرماد الذي تذروه رياح أجهزة الدولة، ورغم نجاح تلك الأجهزة في تحييد مبادئ مثل: “الحرية والكرامة والعدالة” من وعي الشعوب التي تعيش تحت وطأة القهر والفقر، إلا أن ذلك النجاح ينقلب إخفاقا إذا وصل فشل الدولة في تدبير حاجيات المواطنين إلى السلع والمواد الأساسية المتعلقة بمعاش الناس، فقد يعيش الإنسان المقهور سياسيا واقتصاديا بلا حرية وبلا عدالة، لكنه لن يعيش بالجوع والعطش.
ويصير الخطر المهدد لمعاش الناس سببا في توحيد صفوف الجماهير وإذكاء عفويتها “عفوية الجماهير” التي إن أُحْسِنَ استثمارها على الوجه الصحيح يمكن أن تحقق نتائج مبهرة، وقد تعود تلك العفوية وبالا على الجماهير وربما توصلهم إلى حال أسوأ مما كانوا عليه.
وضربا للمثال، نجد حراكا ظهر على السوشل ميديا في الصحراء يدعو إلى مقاطعة لحم الإبل الذي تزايدت أسعاره في سنوات قليلة إلى أكثر من الضعف، وقد شهدت المقاطعة في بدايتها نجاحا يدل على تذمر الناس من السعر، واستعدادهم لاتخاذ موقف، وقدرتهم على الاستغناء عن مادة ضرورية على المائدة الصحراوية، وانخراطهم في أي حراك شعبي يجدون له غاية وجدوى.
وتصدرت وجوه عديدة من الحسابات التي تعرف متابعة آلاف الأشخاص لتزعم حراك المقاطعة، إلا أن ذلك التصدر لم يزد على تكرار الكلام المرسل وعبارات الحماسة والدعوة إلى الاستمرار في المقاطعة والعض عليها بالنواجذ، وهذه بالضبط هي مَثْلَبَة عفوية الجماهير التي تنطلق من شرارة متقدة، وسرعان ما تنطفئ ولا يبقى لها ذكر.
وسبب ذلك الانطفاء هو أنه لا يمكن الاستغناء عن التنظير ولو في حدوده الدنيا، ونستعير من الأدبيات اليسارية عبارة: “لا توجد ثورة بدون نظرية ثورية” أي لا توجد مقاطعة بدون نظرية في المقاطعة.
فالمقاطعة التي لا تحدد شروط محددة لرفعها لا يمكن أن تستمر فما بالك بأن تنجح، لأن الناس لا يتحملون السير في نفق مظلم، أو السير إلى المجهول، والمقاطعمة التي لا يوضع لها سقف زمني أو غاية محددة الملامح بدقة ليست إلا نفقا مظلما وسيرا إلى المجهول.
وما دام تحديد السقف الزمني ليس في صالح مقاطعة لحم الإبل، يجب تحديد الغاية بدقة متناهية، أي أن المقاطعة مستمرة إلى وصول لحم الإبل إلى السعر “كذا” بالتدقيق، والسعر المحدد، يجب أن يُحدَّد بمنطق الواقع، أي السعر الذي يُمَكِّنُ مالك القطيع والجزار من ربح معقول والاستمرار في القطاع. وفي حالة كان السعر المتوَصَّل إليه مرتفعا، ينتقل التفكير إلى مناقشة دعم رؤوس الإبل والدعم المباشر للجزار وتخفيف شروط الاستيراد، وتسقيف الأسعار، وتقنين هامش الربح في مادة هي أهم عند أغلب الصحراويين من الدقيق والزيت والسكر.
لكن الوصول بالنقاش إلى الدعم المباشر لرؤوس الإبل والجزار وتحيين شروط الاستيراد من الدول جنوب الصحراء سيصطدم بالمركز الذي لا يعير انتباها ولا يلقي بالا لهذا النوع من الأنعام فهو مشغول بالبقر والغنم، لذلك مصير أي حراك جماهيري عفوي هو الفشل، لأنه أولا لا يمتلك نظرية في المقاطعة، وثانيا لأن مشاغل الهامش ليست هي مشاغل المركز، وطعام الهامش ليس هو طعام المركز، فالرباط لا تأكل لحم الإبل.
