جيوبوليتيك الإعتراف من بوابة سوسيولوجيا السيادة..أو حين تتحول العيون إلى حاضنة لثقافة السلام والتنمية والتعايش؟
إضافة: د الحسين بكار السباعي
تتجاوز زيارة السفير الفرنسي كريستوف لوكورتي إلى مدينة العيون حيز البروتوكول الدبلوماسي، لتستقر في عمق التحول البنيوي الجديد للعلاقات المغربية الفرنسية. زيارة يمكن قراءتها كترجمة ميدانية وصريحة لإعلان الرئيس إيمانويل ماكرون التاريخي حول مغربية الصحراء. فمن العيون وفي خضم الهندسة الفعلية للتنزيل التقني والقانوني للحكم الذاتي ،نقف أمام مشهد سياسي يعيد صياغة مفهوم الشراكة الإستراتيجية متجاوزا مرحلة التوافقات السياسية السطحية نحو انخراط مؤسساتيٍ عميق يضرب بجذوره في صلب الدينامية التنموية للجهات الجنوبية.
فلم يعد الإعتراف الفرنسي مجرد موقف نظري في ردهات الإليزيه، بل أضحى اليوم واقع ملموس يتدفق عبر قنوات الإستثمار والتعليم والبحث العلمي. فإنتقال أرفع تمثيل دبلوماسي فرنسي إلى قلب العيون ومباحثاته مع السلطات المحلية والمنتخبين والشيوخ ، هو تكريس لشرعية المؤسسات المغربية فوق ترابها. فرنسا ومن العيون لا تستكشف الفرص فحسب بل توطن وجودها الدبلوماسي والإقتصادي معتبرة أن إستقرار وإزدهار الأقاليم الجنوبية هو جزء لا يتجزأ من أمنها الجيوسياسي في شمال وغرب إفريقيا. هذا التحول الذي يعكس بجلاء إدراك باريسي العميق بأن مفتاح القارة الإفريقية يمر عبر بوابة الصحراء المغربية، وأن السيادة ليست مجرد حدود جغرافية بل هي دينامية تنموية تقودها المملكة بكفاءة مشهودة.
فضلا على أن تدشين المدرسة الدولية “بول باسكون” حمل دلالات رمزية غاية في الدقة والذكاء السياسي. إن إختيار إسم بول باسكون Paul Pascon لهذه المؤسسة ، و في مدينة العيون بالأساس ليس مجرد تكريم لإسم مفكر أو سياسي بصم تاريخ الإنسانية، والذي إختار الحصول على الجنسية المغربية حبا لوطن إحتضن والديه فكان مسقط رأسه، بول باسكون هو إستحضار لإرث عالم سوسيولوجي أفنى حياته في تفكيك بنى المجتمع المغربي وفهم تغيراته العميقة. الرجل الذي كان محبا للصحراء مغرما بها كما سوس والحوز التي أنجز بخصوصها دراسات مهمة حول الهجرة خاصة هجرة أبناء سوس الى إقليم جرادة.
الصحراء التي كانت قدره ففي 21 من أبريل 1985، وبينما كان بول باسكون ينجز مهمة لمنظمة الفاو، شاء القدر أن يفارق الحياة في صحراء موريتانيا في حادث سير . باسكون الذي كان يرى المغرب من الداخل ككيان حي ومتجذر، وتسمية مدرسة بإسمه في قلب عاصمة الصحراء المغربية العيون هي رسالة فرنسية مفادها أن باريس تقارب قضية الصحراء اليوم بـعقل سوسيولوجي يحترم الخصوصية المغربية، وبوعي تربوي يسعى لصناعة نخب محلية تنصهر في المنظومة الفرنكوفونية من منظور الشراكة لا الوصاية. كما أنها تذكير للعالم بجرائم الإختطاف والتصفية التي مارستها مليشيا بوليساريو بتأطير وإشراف إستخباراتي جزائر ، فقد كان لبول باسكون ابنان نادين وجون رزئ فيهما معا إذ إختفيا في ظروف غامضة عام 1976، ليوجدا مقتولين بعد تسع سنوات من إختطافهما على يد عناصر المليشيا الإنفصالية حين زيارتهما لمنطقة أخفنيس المجاورة لمدينة طانطان .
إن إحداث جمعية للثقافة الفرنسية بالعيون، يعني أن فرنسا قررت مد جسور العمل المدني الإنساني الهادف الى عمق الصحراء، وربط أجيال المنطقة الصاعدة بالآفاق المعرفية الدولية عبر القناة الفرنسية. هذا الإستثمار القيمي هو الضامن الحقيقي لإستدامة الموقف السياسي وتجاوز أعطاب الماضي، فالدبلوماسية التي تبنى على المدارس والمراكز الثقافية والفكرية هي دبلوماسية الجذور التي يصعب إقتلاعها.
ختاما، المغرب اليوم وفي صلب هندسة تنزيل حكمه الذاتي بالصحراء، نجح في تحويل قضية وحدته الترابية من نزاع إقليمي مفتعل إلى مركز ثقل إستراتيجي لجذب القوى العظمى، بينما تبرهن فرنسا على براغماتية متجددة تضع من خلالها كامل ثقلها السياسي والإقتصادي والثقافي خلف الرؤية الملكية الحكيمة، لتعلن للعالم أن العيون لم تعد فقط عاصمة للأقاليم الجنوبية، بل أضحت قطب دولي تلتقي فيه طموحات صانعي السلام ودعاة التنمية.
