نار في إيران ودخان في الصحراء..
إضافة: بقلم الدكتور عدنان سيلوم
لم يعد بالإمكان تخيل نشوب نزاع في أي رقعة من العالم دون حدوث تبعات تطال معظم بلدان العالم تصل إلى التأثير على جيوب سكانها وموائدهم ومركباتهم ومنسوب شعورهم بالأمان والخوف، وتحالفات الدول وسياساتها وقوانينها، خصوصا إذا كانت تلك الرقعة الجغرافية من المناطق المنتجة الطاقة والغذاء وتدخل في نفوذ ترابها الوطني الممرات الرئيسية للإمدادات العالمية للسلع الأساسية والمواد الحيوية، حيث إن أي رصاصة تطلق في تلك المناطق تحدث حالة اضطراب في الأسواق الدولية والوطنية وتؤثر على الأمن بمفهومه الشامل دوليا ومحليا: “الأمن المادي، الأمن الغذائي، الأمن الطاقي…”.
ولا أدلَّ على هذا التأثير الذي يمكن أن تحدثه النزاعات الدولية اليوم من الحرب على إيران وما يرتبط بها من عمليات عسكرية في الشرق الأوسط، حيث كان لها التأثير الآني والبالغ على أسعار النفط ومن ورائه أسعار السلع والخدمات التي أربكت الأسواق الدولية ودفعت الحكومات إلى تحيين سياساتها وقوانينها لمجابهة الاضطرابات الحاصلة في الأسعار والإمدادات.
ولا يخرج نزاع الصحراء عن قاعدة التأثر بالحرب على إيران رغم الدينامية والنفس الجديد الذي عرفته المسألة الصحراوية عقب القرار الأممي 2747 الذي بدأت إرهاصاته تظهر منذ انضمام الدولة المغربية إلى التطبيع العربي الإسرائيلي والاستجابة الأمريكية التي تكللت بالاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء، كما أن لنزاع الصحراء مسار طويل من التأثر بالأحداث الإقليمية والدولية كانت سببا في إطالة أمده.
– الصحراء: مجال ارتداد التصدعات الدولية
سلمت إسبانيا الصحراء لكل من المغرب وموريتانيا سنة 1975 في أوج الحرب الباردة، وكان العامل الرئيسي في ذلك هو خشية الغرب بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية من نشوء كيان معادٍ لها وحليف للاتحاد السوفياتي على واجهة إفريقية مطلة على المحيط الأطلسي، ولا يخفى في تلك الفترة اصطفاف جبهة البوليساريو مع الدول المناوئة للولايات المتحدة الأمريكية مما جعل هذه الأخيرة تضغط في اتجاه تسلم المغرب للصحراء لكسب نقاط على عداد الحرب الباردة.
وبقيت رحى الحرب الصحراء دائرة إلى سنة 1991 التي عرفت توقيع اتفاق وقف إطلاق نار بين المغرب وجبهة البوليساريو تأثرا بسقوط الاتحاد السوفياتي وبسط الولايات المتحدة يد السيطرة على الساحة الدولية.
ثم دخلت الصحراء في مسار التسوية السياسية الذي وصل إلى محطة مفصلية متمثلة في تقديم المبعوث الأممي “جيمس بيكر” خطته سنة 2001 مرفوقة بزخم سرعان ما خفت نجمه مع تفجيرات 11 سبتمبر 2001 وبزوغ نجم الحرب على الإرهاب الذي غطى إشعاعه على الاهتمام الدولي وعلى رأسه اهتمام الولايات المتحدة الأمريكية وأولوياتها.
في سنة 2010 عرفت مدينة العيون نزوحا صحراويا جماعيا إلى منطقة “أڴديم إزيك” واستحوذ الحدث على اهتمام دولي كبير انكسرت على وقعه صورة استفادة الصحراويين من خيرات الصحراء، لكن انتقال عدوى الاحتجاجات الشعبية من الصحراء إلى الدول العربية فيما بات يعرف باسم الربيع العربي أسقط الصحراء من سلم الاهتمامات الدولية نظرا لانشغال القوى الدولية بالتغيرات الحاصلة في كثير من الأنظمة العربية التي يجب التحكم فيها بما يخدم اتفاقيات السلام مع إسرائيل، والتحالفات العربية الكلاسيكية مع القوى الغربية، والموقف من الجماعات والحركات الإسلامية
وفي أواخر سنة 2020 أغلقت جبهة البوليساريو ممر الڴرڴارات، ثم تدخل الجيش المغربي، وانسحبت قوات البوليساريو في سياق شرق أوسطي عرف تغيرا نوعيا متمثلا في “الاتفاق الإبراهيمي” الذي انضم إليه المغرب وحصد على إثره دعما دوليا منقطع النظير لسيادته على الصحراء ورجحان مقترحه المتمثل في الحكم الذاتي.
هذا المرور السريع على تاريخ النزاع يفيد بأن أي زخم يعرفه ملف الصحراء يتزامن مع أحداث إقليمية ودولية أعلى توترا وأشد خطورة على مقياس الأمن الدولي، الأمر الذي يسقط نزاع الصحراء من سلم الأولويات الدولية بوصفه نزاعا منضبطا ومتحكما فيه وفي أطرافه، ولا يمثل ذلك الخطر الداهم الذي يحتاج إلى التدخل بمنطق الطوارئ والمستعجلات.
– هامش المناورة لدى أطراف النزاع
بعدما وضعت حرب الصحراء أوزارها، وانخرطت أطرافها في مسار التسوية الأممي، بدأ يلجأ كل طرف في أوقات الضغط عليه إلى إطالة أمد وضع “اللاحل” الذي أتاح الاستفادة من ثروات الصحراء وتعمية المفاهيم التي ينبني عليها حل النزاع مثل مفهوم الكتلة الناخبة الشرعية من الصحراويين، كما ثابر المغرب على تقديم تأويلات جديدة للمبادئ المؤسسة لمسار التسوية مثل مبدأ تقرير المصير الذي لم يعد يعني بالضرورة إجراء الاستفتاء، ليقدم المغرب بذلك صيغة جديدة لتصريف المبدأ الأممي تتمثل في منح إقليم الصحراء حكما ذاتيا تحت السيادة المغربية.
وقد يكون سبب نجاح المغرب في تكريس رؤيته لحل النزاع هو قدرته على تقديم نفسه شريكا موثوقا فيه للمشاركة في المساعي الدولية بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية في الحرب على الإرهاب، زد على ذلك ورقة الهجرة التي استثمر المغرب في الضغط بها على أوروبا لانتزاع مواقف مؤيدة لرؤيته لحل نزاع الصحراء، نظرا لكون المغرب بوابة إفريقية مهمة على أوروبا.
أما جبهة البوليساريو، فلم تجد لها من هامش مناورة أكبر من الاعتماد على دغدغة المشاعر الحقوقية للغرب بإثارة قضايا حقوق الإنسان في الصحراء المتعلقة بقمع الحريات وملف الثروات، وقد نجحت الجبهة إلى حد ما في تعطيل الشراكة المغربية الأوربية التي تدخل فيها ثروات الصحراء، ومع ذلك، تعيش الجبهة في الوقت الراهن وضعا صعبا بخصوص رؤيتها للحل المتمثلة في إجراء استفتاء للصحراويين يقررون من خلاله مصيرهم بين الانضمام إلى المملكة المغربية والاستقلال، وزاد تأزيم وضع الجبهة مع القرار الأممي 2797 الذي سلم بأن المقترح المغرب قد يكون الصيغة الأجدى لحل النزاع، مما حصر هامش المناورة لدى الجبهة في محاولة إطالة أمد النزاع ما أمكن ووضع العراقيل في وجه الخطة المغربية بوضع مطالب تقلص مضامينها مظاهر السيادة المغربية على الصحراء.
كان صوت المغرب أعلى من صوت جبهة البوليساريو نظرا لتمكنه من الاستثمار في ملف محاربة الإرهاب الدولي وملف الهجرة الذي يقض مضجع أوروبا ويمتلك المغرب مفاتيح الخفض من معدل الهجرة نحو أوربا، بينما لم تكن تمتلك جبهة البوليساريو سوى الورقة الحقوقية والأسس القانونية التي ينبني عليها ملف الصحراء بوصفها قضية تصفية استعمار والمقررات الأممية الخاصة بالحق في تقرير المصير، لكن صوت السياسة والمصالح كان أعلى من صوت المبادئ والقانون.
– الحسابات التكتيكية والاستراتيجية
مثل ما أثر تاريخ النزاعات الإقليمية والدولية في تأجيل إيجاد حل لنزاع الصحراء، يمكن أن تؤثر الحرب في الشرق الأوسط على إفقاد قضية الصحراء زخمها الذي بلغ أوجه إبان صياغة القرار 2797 وبعده من خلال إحياء مسار المفاوضات، حيث أدى نشوب الحرب على إيران إلى التوجيه الكلي للاهتمام الأمريكي عسركيا وأمنيا وديبلوماسيا وإعلاميا إلى تلك الحرب، وخفّت الضغوط الأمريكية على أطراف النزاع ومنحتهم فرصة لالتقاط الأنفاس خصوصا جبهة البوليساريو التي تعيش ظرفا صعبا موسوما بالحشد الدولي منقطع النظير الذي يتبنى الطرح المغربي لمقاربة نزاع الصحراء.
وللمغرب حظ أكبر في الحصول على مكاسب من الحرب على إيران، نظرا للقطيعة الديبلوماسية بين المغرب وإيران، والاتهام المغربي المتواصل لإيران بدعمها عسكريا لجبهة البوليساريو، مما يمكن أن يعزز تكتيكيا الوضع المغربي في النزاع في شهر أبريل الذي سيعرف تقديم تقرير إستراتيجي عن وضعية بعثة المينورسو ومهامها الموكولة إليها في الصحراء.
كما يمكن البوليساريو أن تحصل على مكاسب في ظل اضطراب إمدادات الطاقة الدولية وأسواقها نظرا لتوفر حليفتها الجزائر على موارد مهمة من الطاقة وقربها من أوروبا وكونها مصدرا آمنا للطاقة في حالة استمرار التعطل المتواصل لإغلاق مضيق هرمز، بحيث إذا استثمرت الجزائر حاجة الغرب لها طاقيا، بمكن أن تنتزع مواقف تخدم طرح البوليساريو، أو على الأقل تخفف من وطأة الضغوطات الأمريكية على البوليساريو التي وصلت إلى تهديدها بتصنيفها منظمة إرهابية.
إلا أن المقاربة الاستراتيجية للتدخل الأمريكي في حلحلة نزاع الصحراء يمكن أن تزيح البعد التكتيكي من على مسرح قضية الصحراء، وللافتراض الاستراتيجي للتدخل الأمريكي مسوغات عديدة، نذكر منها الحاجة الملحة لدى الولايات المتحدة في إيجاد موطئ قدم راسخ في إفريقيا يتيح لها منازعة القوى الدولية مثل روسيا والصين على الهيمنة على إفريقيا التي تمثل رقعة صراع المستقبل بين القوى الدولية، ولن تجد الولايات المتحدة أفضل من الصحراء نظرا لامتلاكها واجهة استراتيجية على المحيط الأطلسي تتيح الربط المباشر بين الولايات المتحدة وإفريقيا من أجل بسط الهيمنة والاستحواذ على ثروات تنضب في بقية قارات العالم، مما جعل الاهتمام الدولي يتجه نحو القارة الإفريقية التي تزخر بموارد طبيعية وطاقية مهمة، حيث تتوفر إفريقيا على مساحات من الأراضي الصالحة للزراعة تبلغ نسبة 24% من الأراضي الزراعية في العالم بنسبة إنتاج تصل إلى 9% من الإنتاج الزراعي العالمي، إضافة إلى الثروة المعدنية التي تقدر بثلث الثروة المعدنية للكرة الأرضية بأكثر من ستين نوعا من المعادن، إذ تتوفر على 90% من الاحتياط العالمي من البلاتينيوم، و80% من الكولتان، و60% من الكوبالت، و70% من التانتال، و46% من الماس، و40% من المحاجر الذهبية، و10% من الاحتياطات البترولية العاملية.
وبالنظر إلى التدخل الأمريكي المباشر في الملف الصحراوي والدفع القوي بعجلة المباحثات، ونوعية الشخصيات الأمريكية التي شاركت في تلك المباحثات بين السفارة الأمريكية بمدريد وواشنطن حسب تقارير إعلامية مثل شخصيات من وكالة الاستخبارات CIA، فإن طبيعة ذلك التدخل تتجاوز “الهوى الترامبي” الذي يريد أن يقدم نفسه حامل رسالة سلام قادر على تذويب جليد النزاعات الدولية والدفع بها قدما نحو الحل، إلى كون التدخل الأمريكي هو تدخل “Establishment” التي تعبر في الأدبيات السياسية الأمريكية عن مجموع المؤسسات العسكرية والأمنية والاستخباراتية والمالية والاقتصادية التي تضع سياسات الدولة الاستراتيجية المتجاوزة لفترات انتداب المؤسسات المنتخبة بما فيها مؤسسة الرئيس، أي أن ملف الصحراء موضوع على أجندة مؤسسة الدولة الأمريكية الثابتة لارتباط الصحراء بالخيارات الاستراتيجية الأمنية والاقتصادية الكبرى للولايات المتحدة الأمريكية، مما سيسحب البساط من تحت أٌقدام الأمم المتحدة، بل وحتى من تحت أقدام أطراف النزاع أنفسهم الذين لن يحقق أحد منهم في الظرفية الراهنة لقضية الصحراء أي مكاسب حقيقية، وإن بدا في الظاهر أن كفة الحل قد تميل لطرف على حساب الآخر، لكن ذلك الميل لن يتجاوز الرؤية الاستراتيجية ومرتكزاتها التي وضعتها “Establishment” الأمريكية بما يخدم مصالحها وموقعها من صراع المستقبل حول القارة الإفريقية.
