منبر إعلامي متجدد يهتم بشؤون وقضايا جهة الصحراء
ocp -18

جيوسياسية التنافس الدولي وإمكانات مكافحة التفكيك في إفريقيا: قراءة تحليلية

إضافة: بقلم الداود أبا باحث في القانون الدولي

يتناول المفكر الامريكي نعوم تشومسكي في كتابه “من يحكم العالم” موضوع افريقيا انها مسرح للتدخلات الاجنبية في سياق الصراعات الاقليمية و قضايا التنمية مما يؤثر عليها سياسيا و اقتصاديا, هذا التصور يمكننا من تفسير المشهد الجيوسياسي المعقد الي تعرفه القارة الافريقية. و لذلك التنافس الدولي و الصراعات الدولية على مناطق النفوذ يساعد في مكافحة تفكيك القارة الافريقية و هو ما يحدث بالضبط في ظل الصراع بين الغرب و الصين و روسيا مما جعل مشاريع التفكيك و السيطرة أمرا صعبا و غير الفكرة الى ضرورة وحدة البلدان و اصطفافاها بدل اغراقها في التفكك.

إن المشهد الافريقي يظهر انه منذ حقبة الثمانينات و القارة الافريقية تعرف خطابا يتمثل في السيادة و الحدود الموروثة عن الاستعمار ما ولد نوعا من الغبن لدى جل الدول الافريقية و ذلك من خلال تبني صراعات حدودية الى اليوم لم تنتهي و في أطار “الفوضى الخلاقة” و سياسة المستعمر السابق بترسيخ هذه الصراعات من أجل السيطرة على مناطق النفوذ من خلال حكومات موالية أو السيطرة على إستغلال ثروات طبيعية كانت ترى هذه الدول في الانقسام مشروعا يسهل السيطرة على بلدان القارة الافريقية و يمكن من بناء دول ضعيفة منعدمة القدرة, لكن هذا التصور الغربي الذي أغرق القارة الافريقية في مأساة إنقلب رأسا على عقب بعد صعود منافسين جدد الى الساحة الافريقية في إطار إعادة صياغة خريطة النفوذ فالتقسيم الي كان حجر الزاوية في سياسة الغرب مع مستعمراته السابقة أصبح محور الاستراتيجية الخارجية في تعامل روسيا و الصين في التعامل مع البلدان الافريقية.

من خلال الواقع الجيوسياسي المقسم للقارة الافريقية تبين للعالم أن الطبيعة المفككة لبلدان افريقيا هي ساحة مفتوحة للتدخل الاجنبي و كما أكد ذلك نعوم تشومسكي في كتابه من يحكم العالم, فالشمال الافريقي يعرف تواجد تحالفات لكل من امريكا في مصر و روسيا في ليبيا و الجزائر و فرنسا في المغرب و الساحل الافريقي اصبح يعرف سيطرة روسيا و الغرب الافريقي الذي تحاول أمريكا استمالته من خلال لقاءات ترامب و الشرق الافريقي مثل كينيا واثيوبيا الذي عرف توغل الصين في الاقتصاد اضافة الى أنغولا و غانا… ,55 دولة كلها تخضع لتوجهات و اتفاقيات فوضى لا يمكن ضبطها و صراع مع أقطاب دولية مختلفة غير منطق الغرب و المستعمر السابق الى ضرورة تبني كيانات متحدة في القارة الافريقية و هو ما نلاحظه في توجهات الادارة الامريكية حاليا في تبني إنهاء مظاهر الصراع الدولي و تجفيف منابع الحرب منذ حرب ايران و اسرائيل الى القضاء على مظاهر الصراعات العرقية و الحدودية في القارة الافريقية.

بالاضافة الى ذلك أدى إنشغال أوروبا بالحرب على أوكرانيا و أمريكا بإنشغالها بإيران و الشرق الاوسط كل ذلك أدى الى فتح مناطق النفوذ لكل من الصين و روسيا في القارة الافريقية من خلال سيطرتهما الواضحة على منافذ القارة , بل إمتد الامر الى طرد فرنسا من دول الساحل الافريقي لصالح النفوذ الروسي و سيطرة الصين على مصادر المعادن و الثروات الطبيعية بدول افريقيا بل حتى انتشار أساطيل الصيد البحري في كل أرجاء السواحل الافريقية الغربية و الشرقية فبينما كانت الدول الغربية تقسم الدول الافريقية و تجند بعضها ضد بعض كانت الصين تستثمر في التعاون الاقتصادي ضمن خطة الطريق و الحزام و روسيا تنتشر عسكريا بيد خفية في القارة الافريقية ما مكن هذه الاقطاب من السطرة و الاستقرار في القراة من خلال صنع و استمالة دول حليفة لها و مرتبطة بتواجدها.

و بالتالي أصبح التوجه الغربي و خصوصا الولايات المتحدة الامريكية يسعى الى تبني التعامل مع كيانات متحدة و دول غير مفككة في إطار صياغة توجه جديد للسياسة الدولية الغربية ففكرة ” فرق تسد ” لم تعد مجدية في التعامل مع الدول في ضل التنافس الدولي و الحروب القائمة و هكذا أصبح يمكن القول أن التنافس الروسي الصيني مع الدول الغربية في القارة الافريقية ضرورة جيوسياسية للقوى الكبرى من خلال الحفاظ على مناطق النفوذ و لم يعد خيارا إنسانيا و أخلاقيا في القارة.

و كخلاصة يمكن القول أن صراعات النفوذ بين أقطاب العالم مكن دول القارة الافريقية من مراجعة نفسها و من تدارك الاخطاء من خلال مناخ الاستقطاب الذي تعرفه و ذلك يتضح من خلال الاسطفافات و مظاهر التموقع في الغلاقات الدولية التي تهدف بشكل غير مباشر الاستقرار في القارة الافريقية و تساهم في إمكانات مكافحة تفكيك القارة الافريقية.