منبر إعلامي متجدد يهتم بشؤون وقضايا جهة الصحراء
Atlas

العلاقات المغربية الفرنسية نحو تحول إستراتيجي: هل تعجّل باريس بفتح أول قنصلية لها بالصحراء

إضافة: بقلم الاستاذ إبراهيم أبهوش

تشهد العلاقات المغربية الفرنسية تحولًا استراتيجيًا يعكس الإرادة المشتركة للبلدين في تعزيز التعاون السياسي والاقتصادي، خاصة في الأقاليم الجنوبية المغربية. منذ إعلان فرنسا اعترافها بمغربية الصحراء ودعمها لمبادرة الحكم الذاتي كحل واقعي ومستدام، تتجه الشراكة الثنائية نحو مرحلة جديدة تتجاوز البعد التقليدي لتشمل امتدادًا أوروبيًا أوسع، مما يفتح آفاقًا غير مسبوقة للتعاون في مختلف المجالات.

كان افتتاح مركز طلبات التأشيرة الفرنسية بمدينة العيون خطوة عملية مهمة تعكس هذا التطور، حيث وفر خدمات قنصلية مباشرة لسكان جهة العيون الساقية الحمراء، مما يغنيهم عن التنقل إلى مدن أخرى مثل أكادير أو الدار البيضاء. هذه الخطوة، التي جاءت نتيجة مجهودات السفير الفرنسي بالمغرب كريستوف لوكورتيي، تؤكد مدى التزام باريس بتحسين الخدمات القنصلية وتنزيل الاتفاقيات الموقعة مع الرباط.

إلا أن الأسئلة التي تطرح نفسها اليوم تتعلق بإمكانية اتخاذ خطوة أكثر جرأة، وهي افتتاح أول قنصلية فرنسية بالصحراء المغربية، في كل من العيون والداخلة، كإجراء عملي يعزز الاعتراف الفرنسي بوحدة المغرب الترابية ويضع أسسًا صلبة لتعاون اقتصادي ودبلوماسي ممتد. إذا تمت هذه الخطوة، فستكون أول قنصلية لدولة أوروبية في المنطقة، مما قد يشجع دولًا أخرى على اتخاذ قرارات مماثلة، ويشكل دعمًا سياسيًا إضافيًا للمغرب على الساحة الدولية.

زيارة رئيس مجلس الشيوخ الفرنسي إلى العيون كانت محطة محورية في هذا المسار، حيث التقى بمنتخبي الأقاليم الجنوبية وأعلن خلال زيارته دعم باريس للمشاريع التنموية في المنطقة. هذه التعهدات تعكس الرغبة في تعزيز الحضور الفرنسي بالصحراء المغربية، ليس فقط على المستوى السياسي، بل أيضًا عبر تشجيع الشركات الفرنسية على الاستثمار في مشاريع واعدة بقطاعات الطاقات المتجددة، السياحة، والصناعة، مما يجعل الصحراء المغربية مركزًا اقتصاديًا جاذبًا في شمال أفريقيا.

ومع مرور سبعة أشهر على زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى المغرب في أكتوبر الماضي، يواصل السفير لوكورتيي العمل على تنزيل 22 اتفاقية تعاون وشراكة بين البلدين، تشمل مجالات حيوية مثل السكك الحديدية، الطيران، المياه، والتعليم، فضلًا عن تطوير المشاريع الاستثمارية التي تهدف إلى تعزيز التنمية الاقتصادية في الصحراء المغربية.

إلا أن التحديات لا تزال قائمة، حيث يتطلب هذا التعاون مواكبة دقيقة من الجانب المغربي، سواء من وزارة الخارجية التي تعمل على دفع العلاقات الدبلوماسية إلى مستويات أعلى، أو من الإدارة الترابية في شخص والي جهة العيون الساقية الحمراء، عبد السلام بيكرات، الذي يواكب المشاريع التنموية لضمان تحقيق الأهداف المشتركة.

المرحلة القادمة ستكون حاسمة في تحديد ملامح العلاقات المغربية الفرنسية، فهل ستتخذ باريس قرارًا بفتح قنصليتها الأولى في الصحراء المغربية، تأكيدًا لالتزامها السياسي والدبلوماسي؟ وهل سيؤدي هذا التوجه إلى جذب المزيد من الاستثمارات الأوروبية، مما يعزز هو انتقال المغرب من شراكته التقليدية مع أفريقيا نحو امتداد أوروبي أكثر عمقًا في أفق تنزيل الحكم الذاتي؟ الأيام القادمة ستكشف المزيد حول مستقبل هذه التحولات الاستراتيجية.