إنتخابات 2026..ماذا لو عاد عالي الهمة إلى الواجهة بحكومة اإئتلافية مع الاتحاد الإشتراكي وحزب الإستقلال
إضافة: أحمد الميداوي
من تزايد حالات التذمر إلى الارتفاع المهول في كلفة المعيشة، واتساع الفوارق الاجتماعية، مع الشعور المتزايد لدى المواطن بأن الوعود الانتخابية السابقة، لم تُترجم إلى نتائج ملموسة. كل هذه العوامل تصُب باتجاه التصويت العقابي الذي قد يكون العنصر الغالب في انتخابات 2026، بما يعني أن الضغط الشعبي سيتجه أساسا نحو حزب التجمع الوطني للأحرار، باعتباره قائد الأغلبية الحكومية.
ومن فرط ضعف الثقة في الأحزاب ككل، فقد يتجه التصويت العقابي إلى ما هو أسوأ، أي العزوف عن التصويت، كنوع من العقاب الجماعي للعملية السياسية برمتها. ومن هنا يتوجب على معظم الأحزاب تغيير الوجوه مع بديل سياسي مقنع، والتخلي عن إعادة تدوير نفس النخب بأقنعة مختلفة، حيث القاعدة الانتخابية المغربية سئمت نفس الأسماء ونفس الوعود الزائفة.
التصويت العقابي قد يمس مرة أخرى، حزب العدالة والتنمية الذي حوّلته الانتخابات السابقة (شتنبر 2021) إلى رقم لا قيمة له في المشهد السياسي المغربي. وقد يعاقَب ثانية نتيجة عوامل يتداخل فيها السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والعقائدي، وإصرار الحزب على تسويق الوهم الديني. عوامل يتفاوت حجمها بقدر تفاوت الرؤية الإيديولوجية الدينية التي أضفت على البيجيدي حلة التنظيم الإخواني المهزوم في كل أرجاء الوطن العربي.
نفس النفور قد يطال معظم الأحزاب اليمينية التي أثبتت مع تعاقب الاستحقاقات التشريعية والبلدية، محدودية كبيرة في الحشد والإقناع، وإلى جانبها الأحزاب الاشتراكية ذات الخط المتشدد القائم على عقيدة التصادم المذهبي مع الوسطية ومع الليبرالية الاجتماعية. وقد أبان هذا الخط منذ أربعين سنة، عن عجز مزمن في حشد ما يلزم من دعم اجتماعي، بحكم تبنّيه إيديولوجية خرافية، عصفت بكل دول العالم التي سارت على منوالها، “فأمعنت فيها البطالة المتفحشة والفقر والتخلف”، كما أقرّ بذلك الاشتراكي الديمقراطي العالمي، ميخائيل غورباتشوف، الذي تدرّج في كل مسؤوليات حزبه الشيوعي، إلى أن أصبح رئيسا للدولة وقائدا للشيوعية العالمية، قبل أن يفضحها ويفكك أركانها، لينهار على التو الاتحاد السوفياتي ومعه عشرات الدول التي كانت تدور في فلكه.
وإذا أضفنا حزب التقدم والاشتراكية إلى قائمة المُعاقبين، بسبب تطلعاته عالية السقف دون ترجمة جماهيرية وتنظيمية على الأرض، ودون القدرة على الإقناع، فإن النتيجة قد تكون انتقال جزء من الأصوات إلى الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الذي هو في طريق الاتجاه نحو الموازنة المرنة بين الاشتراكية والليبرالية الاجتماعية، بما يساعد على تطويره بمنظور يقيم علاقة تجاذبيه مع تحديات العولمة ومجتمع اليوم.
ويبقى حزب الأصالة والمعاصرة الذي قد يصبح مع العودة المحتملة لـ فؤاد عالي الهمة إلى الواجهة الرمزية، المستفيد الأول من سيناريو التصويت العقابي. وقد تشكل عودة الرئيس المؤسس إلى رئاسة حزب الجرار، برأي المتتبعين وحتى قياديي الحزب، تطورا سياسيا هاما لأنها ستُفهم كإعادة إحياء الدور الأصلي الذي لعبه الحزب عند تأسيسه، كحزب وسطي قوي، قادر على تبوأ المناصب الأولى في المشهد السياسي المغربي.
كما قد تسهم بشكل كبير في إعادة توحيد الصفوف، وترتيب البيت الداخلي الذي أصابه التصدع بسبب صراعات داخلية، وتهافت أعضائه على المناصب وعلى مراكز القيادة.
وضمن لعبة التحالفات وبناء التوازنات المختلفة التي يتقنها محترفو السياسة جيدا، لن يجد عالي الهمة في حال عودته وتصدّر حزبه الاستحقاقات القادمة، أحسن من الاتحاد الاشتراكي كشريك قوي، صاحب رصيد تاريخي رمزي، فد يلعب دور البديل الهادئ ليس في صدارة المسؤولية الحكومية المباشرة، وفي الوقت نفسه ليس خارج اللعبة السياسية.
مثل هذا التحالف قابل للتصور سياسيا، خصوصا إذا هيمن منطق التوازن بين الوسطية الاجتماعية، أي يمين الوسط، الذي يمثله حزب الأصالة والمعاصرة، والاشتراكية الليبرالية Socialisme libéral التي يعمل الاتحاد الاشتراكي اليوم على بلورتها، بما يُضفي عليه حلة الحزب الديمقراطي الاشتراكي القريب من التنظيمات الليبرالية، ويجعله يتعامل بقدر أكبر من الواقعية مع مشاغل المغاربة.
وقد يلجأ هذا الثنائي إلى حزب الاستقلال ضمن الحاجة لاكتساح الأغلبية المريحة، في تحالف يجمع بين ثلاث كتل لها امتداد تاريخي وتنظيمي قوي. حزب الاستقلال بشبكته التنظيمية التقليدية الواسعة، وحضوره المميّز على الساحة السياسية، وحزب الأصالة والمعاصرة بتوجهه الاعتدالي الوسطي، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية كواجهة ديمقراطية سكنت وجدان المغاربة في مرحلة عسيرة من تاريخ المغرب السياسي.
ويمكن لهذا التحالف إذا تحقق أن يقود المرحلة القادمة من دون هيمنة حزب واحد. فيما سيدفع المنطق السياسي غالبا إلى اختيار فؤاد عالي الهمة لتولي رئاسة الحكومة، حتى وإن رأى البعض في هذا الاختيار، مشروعا صعبا من الناحية الواقعية. السب برأيهم، ليس في الوزن الرمزي للرجل الذي يملك من الخبرة ما يجعله أهلا لهذا المنصب بامتياز، بل في طبيعة موقعه الحالي ومسار الحياة السياسية في المغرب.
قد يرى البعض في مثل هذا التخمينات مجرد كلام في كلام، بحكم التباعد في المبادئ والإيديولوجيات بين الأحزاب المذكورة. لكن الأمر ليس كذلك، كما قد يبدو، بل هو منطق السياسة الحديثة، حيث الأحزاب قد تُبنى على المبادئ والإيديولوجيات، لكن تُدار في واقع الأمر بمنطق الأرقام والمصالح.
وهذه حقيقة لمسناها من خلال تجربة ميدانية وممارسة عملية، بعد تتبّعنا وتغطيتنا لخمس استحقاقات تشريعية ورئاسية فرنسية، من 2002 إلى 2022، بدءا من الرئيس جاك شيراك، وبعده نيكولا ساركوزي، ثم فرانسوا هولاند، والرئيس ماكرون في استحقاقين متتاليين. وجميع هذه الاستحقاقات أثبت أن ما كان مستحيلا قبل الانتخابات يصبح ممكنا بعدها.
ومن هنا يمكن الجزم بأن نجاح مثل هذه القراءة في المشهد السياسي القادم، مرتبط بمدى قوة وفعالية التصويت العقابي ضد الحزب الحاكم، وتراجع الأحزاب الأخرى بشكل متزامن، مع قدرة الأحزاب الثلاثة على تقديم وجوه انتخابية مقنعة. وإذا توفرت هذه العناصر، فقد نشهد فعلا عودة قطب سياسي قوي يقوده حزب الأصالة والمعاصرة في المرحلة القادمة، وميلاد حكومة مونديال 2030 برئاسة فؤاد عالي الهمة.
