منبر إعلامي متجدد يهتم بشؤون وقضايا جهة الصحراء
Trono 27

الإنتخابات أو الملهاة الموسمية في المغرب

إضافة: مقال رأي لكاتبه الدكتور عثمان سيلوم

بدأت حمى الانتخابات في المغرب التي ترتفع حرارتها وتنخفض حسب التوزيع المجالي للوعي والتفاوتات التي تعرفها العصبيات القبلية والمجالية على عموم التراب المغربي، ولا يخفى علي الجميع الحمى التي تكسر كل مقياس حرارة في الصحراء بسبب العصبية القبلية التي تبلغ أعلى درجات تشنجها في هذا الموسم، زيادة على الإرادة السياسية الساعية دائما إلى رفع معدلات المشاركة الانتخابية في الصحراء لتسويقها على أنها دليل على اختيار أهل الصحراء لممثليهم عبر اقتراع دوري حر وشفاف ونزيه.

 

ومن نِعَم الله علينا عدم الإصابة بعدوى تلك الحمى الانتخابية، ولنحمد تلك النعمة بإبداء رأي هادئ نصوغه من مسافة أمان من الدولة ومواردها وموسمها الانتخابي المحموم.

 

لا تعدو الانتخابات في المغرب كونها ملهاة تتلوها مأساة تتجدد كل بضع سنوات، لأن الانتخابات في الأنظمة الديمقراطية تفرز مشرعين ومدبرين حقيقيين للشأن العام مركزيا وترابيا، فالانتخبات تعبير عن سيادة الأمة التي تفرز مؤسسات تسن القانون بوصفه أسمى تعبير عن إرادة الأمة، وذلك ما يوجد بالنص في الدستور المغربي.

 

لكن المغرب محكوم ببنية “فوق دستورية” تتجاوز كل نص دستوري، فالمغرب يحكمه الملك بمشروعية البيعة التي في أعناق المغاربة، ومن الإنصاف أن نقول إن المغاربة يحبون ملكهم وينزهونه عن كل تعثر عمومي في تدبير حياة المغاربة، ويعلقون ذلك التعثر بالحكومات والبرلمانات المتعاقبة.

الملك يرأس المجلس الوزاري الذي لا تمثل فيه الحكومة المنبثقة جزئيا عن الانتخابات إلا سيكرتارية تنفذ أوامر المجلس الوزاري، وللملك وظيفيا التحكم في سن القوانين وتنفيذها، والملك يرأس المجلس الأعلى للسلطة القضائية، ناهيك عن رئاسة مؤسسات الأمن والدفاع.

 

الأمر الذي يجعل الانتخابات هدرا للزمن والمال وشغلا فوضويا للفضاء العام.

 

الأرقام الرسمية تتحدث عن 1,5 مليار درهم تصرف من ميزانية الدولة يوم الاقتراع لوحده، ولا تسأل عن نفقات التسيير الحكومي التي تصل إلى مئات المليارات من الدراهم سنويا وإن دخلت فيها كتلة الأجور بنسبة تتجاوز النصف، لكن من يحسب نفقات الوزراء وحاشياتهم؟

 

والأخطر على مستوى ميزانية الدولة، هو استنزافها من المنتخبين لاسترداد ما صرفوه في حملاتهم الانتخابية واشتراء الذمم، فبمنطق بسيط، لا يوجد شخص يصرف المليارات في الانتخابات حبا في الوطن، بل لاستردادها أضعافا مضاعفة من ميزانية الدولة عبر آليات النهب والفساد المعروفة فكل ذلك هدر للمجهود والزمن والمال لا طائل منه إلا الوبال على الدولة والمجتمع.

 

وبمنطق آخر بسيط، وبعيدا عن عدوى حمى الانتخابات وتشنجاتها، فإن أمر الحكم لن يستقيم في المغرب بأسلوم التعمية الذي تستعمله الدولة في من خلال الخلط غير المنسجم بين الشرعيات الدينية والانتخابية في المغرب والتلفيق بين التقليدانية والحداثة الذي تدعيه الدولة توفيقا من أجل استيفاء شروط القروض الدولية وتلميع صورة المغرب أمام المنتظم الدولي.

 

أمام المغرب خياران لا ثالث لهما، إما الاشتغال على نظام حكم يفرز سيادة حقيقة للأمة تجعل الجميع تحت القانون لا فوقه.

 

وإما أن تشتغل الدولة المغربية بمشروعيتها الحقيقية، ليحكم الملك حكما مطلقا فيسن القوانين وينفذها ويراقب احترامها عبر مؤسسة القصر نفسها.

لست هنا لاتخاذ موقف من هذا النمط أو ذاك، وإن كنتُ أظن أن الشعب المغربي يميل إلى حكم الملك المطلق فهم يثقون فيه ثقة عمياء، تلك الثقة التي تجعل الملك يعمل بمجلس وزاري بكتابة خاصة دون الحاجة إلى انتظار الحكومة الموسمية.

ولكم في أنظمة لا انتخابات فيها آية، مثل النظام السعودي والإماراتي، فلم نسمع قط عن شكوى الشعبين السعودي والإماراتي من عدم وجود انتخابات ولم يبحثوا يوما عن تمثيل في أي مؤسسة، وعلى مؤشر الثقة العالمي في الحكومات، تتصدر الدولتان المذكورتان ذلك المؤشر. صحيح أن ضخامة الموراد والثروات تختلف بين الدولتين والمغرب، لكن لا يحول ذلك دون ترجيح دور طبيعة النظام المتحكم والواضح المعالم دون تعمية في استقرار ونجاعة مبادئ الحكم وآلياته.

الحاصل مما قلنا: إما انتخابات تفرز حكما حقيقيا، أو حكم مطلق واضح المعايير والمعالم دون تعمية ولا تورية، يكشف للمغاربة المسؤول الحقيقي عن شؤونهم العامة، وإلا سيبقى المغرب في تعثر مستدام بدل التنمية المستدامة.