الهروب الجماهيري المغربي إلى الثغر الإسباني.. مناقشة فرضتي “عفوية الجماهير” و “قصدية السلطة”
إضافة: بقلم الدكتور عثمان سيلوم
تابعنا بخلفية اعتيادية ممزوجة باندهاش من الحجم والظرفين الزماني والمكاني حالة الهروب الجماعي المغربي تجاه مدينة سبتة في مشهد درامي شبهه كثير من أبناء الغرب باجتياح حشود من الزومبي للعالم المجسد في الفيلم الهوليودي “World War Z”
أما الخلفية الاعتيادية فهي أن حلم الهجرة يسكن معظم قلوب المغاربة، والمحاولات كانت وما زالت دؤوبة لتحقيق ذلك، البعض يهاجر عبر التأشيرات السياحية، والبعض الآخر بعقود عمل براتب أقل من الذي يحصلون عليه في المغرب، أما الأغلبية التي لا حيلة لها فمنهم من يتوقف عند الحلم دون جرأة على المحاولة، ومنهم من يحاول دائما عبر شواطئ الواجهتين البحريتين للمغرب الوصول إلى أوروبا.
وأما الاندهاش من مشهد الهروب الدرامي، فكان من الحجم الذي وصل بالأرقام إلى سبعين ألف وصلوا إلى سبتة، يعني أنها سبعون ألف محاولة ناجحة، فكم من الآلاف فشلوا، وكم من الملايين الذين يراودهم الحلم نفسه، كل هذا في ظرفين زماني ومكاني مكتظ بالسلطة في المغرب، إنه عيد العرش وحفل الولاء المجاوز لكل الدستور والنظام السياسي المغربي، إنه طقس الركوع للشجرة النبوية -حسب تعبير الحسن الثاني- يحيط به إنزال أمني هو الأكبر دائما أينما حل الملك ليلتحم برعاياه، فكيف لكل هذه الحشود أن تأتي من أگادير ومراكش وسطات والدار البيضاء وبني ملال والفقيه بن صالح ناهيك عن أهل الشمال أن تمر من جنبات الحضور المكثف للسلطة إبان التجلي البشري لروح الدولة المغربية في عيد العرش؟
لذلك لا يمكن بحال تصديق فرضية “عفوية الجماهير” بعدها سبب نجاح ذلك الهروب الجماعي دون أي حضور لفرضية “قصدية السلطة” في تدبير ذلك الهروب، خصوصا أن قدرتها على ضبط أي تجمع بشري وإن لم يجاوز ثلاثة أشخاص إن شغل فضاء عاما في أي زقاق في المغرب لأكثر من ساعة دون أن تجري التحريات الفورية وتجمع التفاصيل الدقيقة وتتخذ الإجراءات المناسبة للتعامل مع ذلك التجمع.
يبقى المشكل على مستوى المعطيات المتوفرة، اللهم بعض الأطاريح الإعلامية والاجتماعية التي لا نملك سبيلا لتأكيدها ولا ضحدها، وذلك بسبب انغلاق النسق الحاكم في المغرب على نفسه وعدم انفتاحه على النسق المحكوم، فنحن لا نستطيع أن نعرف هل النسق الحاكم متجانس أم متنافر، هل هو في لحظة وحدة أم انقسام، كأن النسق الحاكم في المغرب أب وأم ماهران في إخفاء شجارات غرفة النوم ليلا أمام أسرتهما نهارا.
ومع ذلك نستطيع أن نفند فرضية “عفوية الجماهير” للأسباب الأمنية والضبطية التي تتقنها الدولة المغربية، ونختار فرضية “قصدية السلطة” خصوصا في سياق مليء بالمتغيرات التكتيكية والاستراتيجية: “التقارب الإسباني الجزائري، احتمال اكتشاف فخ أمريكي للمغرب في قضية الصحراء، وربما مقترح قانون استعادة الصحراويين للجنسية الإسبانية، وغير ذلك من المتغيرات التي نغصت الاحتفالية المغربية التي كانت صاخبة في أولها بطي ملف نزاع الصحراء.
لكننا نبقى في حيرة من الأمر تجاه “قصدية السلطة” هل كان الهروب الكبير خيار النسق الحاكم كاملا أم أنه خيار تيار أو شخص معين داخل ذلك النسق؟ لا نستطيع الجزم ما دام يحتفظ الأب والأم بالقدرة على إخفاء مشاكل غرفة النوم عن الأسرة.
ما يمكن أن ندلي به في هذا الباب لرفع الدهشة هو أن الهروب الجماعي الذي حدث بسبب “قصدية السلطة” وتوافر الظروف الاجتماعية القاهرة التي جعلت أبا وأما يغامران برضيعهما في عرض البحر، وابنا يحمل أمه العجوز على ظهره خائضا البحر بحثا عن كسرة خبز وجرعة دواء، هو أن التغني بالتاريخ وانتصارات كرة القدم والتعويل على العاطفة الوطنية واتخاذ بطانة صغيرة من المجتمع وتمتيعها بمصادر الريع الاقتصادي لتسويق خطاب تنموي بئيس يضر أكثر مما ينفع، فالقدرة الفائقة على الضبط والتعويل المستدام على الأمن أثبت في الماضي وما زالت تثبت أنه ذلك لا يكفي لضمان ديمومة السلطة واستقرار المجتمع.
وما شهدناه من مغامرة آلاف المغاربة بأرواحهم وفلذات أكبادهم هو فقدان القدرة على تحمل مزيد من الألم، ألم البقاء في المغرب، مثل ذلك الألم الذي لم يعد يتحمله المنتحِر المُقدِم على الانتحار، ليبحث عن “الانعتاق” وإن كان عن طريق الموت، لأنه لم يعد يهمه ما سيحدث بعد الموت، بل المهم هو الانعتاق من آلامه حيا.
ما فعله المغاربة هو تجسيد حقيقي لحالة “المنتحِر” بحث عن الانعتاق عبر الإلقاء بأنفسهم إلى التهلكة بحرا وبرا هروبا من ألم البقاء في المغرب دون كثير تفكير في عواقب تلك التهلكة،
اختار المغاربة الانعتاق من الوطن عبر هجرة مؤلمة مهينة، يتحمل صاحبها العيش في غابات سبتة متخفيا يأكل من حشاش الأرض ويتعرض للضرب والسحل على يد الإسبان من بني جلدته قبل الإسبان الغرباء، لكن ذلك الألم المُهين أمسى أخف ألما ومهانة لدى كثير من المغاربة من البقاء في المغرب.
فاليأس في الوطن غربة
والأمل في الغربة وطن
والظلم في الوطن غربة
والعدالة في الغربة وطن
وكسرة الخبز وجرعة الدواء والإحساس بالكرامة والشعور بالاطمئنان على الحاضر المُعاش ومستقبل الأبناء، ذلك هو الوطن الذي يبحث عنه الجميع أينما كان وكيفما كان.
