إن أرادتها مدريد حربا على الرباط…فعليها أن تفتح كامل الدفاتر
إضافة: عن الصحيفة
من السهل أن يكتب صاحب عمود في مدريد أن على إسبانيا أن تمنح المغرب “الحرب التجارية” التي يريدها، كما فعل كريستيان كامبوس، رئيس قسم الرأي في صحيفة “El Español”، حين نشر مقالا بعنوان: “إذا كان المغرب يريد حربا تجارية، فعلينا أن نعطيه إياها”، وبعدها تتوالى المقالات والافتتاحيات التي تتحدث عن البدائل الإسبانية وعن قدرة مدريد على الاستغناء عن الرباط، لكن يبدو أن جزءا من النخبة في مدريد، ممن يكتبون للرأي العام الناطق بالإسبانية، يغفل أن الحروب الاقتصادية، شأنها شأن الحروب السياسية، لا تُخاض بالعناوين وحدها، وقبل إطلاقها، ينبغي فتح الدفاتر وحساب ما يملكه كل طرف، وما يمكن أن يخسره الطرف الآخر.
لنتحدث بالأرقام. في سنة 2025 صدّرت إسبانيا إلى المغرب ما قيمته 12.33 مليار أورو من السلع، مقابل واردات بلغت 10.42 مليارات، بفائض تجاري يقارب 1.9 مليار أورو لصالح مدريد، والمغرب ليس سوقا هامشية، فهو أهم وجهة للصادرات الإسبانية في إفريقيا، وتقول الخارجية الإسبانية إن المبادلات الثنائية بلغت 22 مليار أورو سنة 2024.
لكن هل 12 مليار أورو من الواردات الإسبانية مستحيلة التعويض؟ بالتأكيد لا. جزء مهم منها آلات ومعدات كهربائية وسيارات ومنتجات صناعية يمكن للمغرب البحث عن بدائل لها في فرنسا وإيطاليا وتركيا وألمانيا والصين، بل قد تكون بعض العروض التركية أو الآسيوية أكثر تنافسية سعرا، وسيكلف التحول وقتا وإعادة ترتيب لسلاسل التوريد، لكنه ليس استحالة اقتصادية.
والأمر نفسه ينطبق على الصفقات، فشركة “CAF” الإسبانية فازت بعقد يقارب 600 مليون أورو لتوريد قطارات للمكتب الوطني للسكك الحديدية، كما تقود شركة “ACCIONA” بحصة 50 في المائة من المجموعة التي فازت بصفقة محطة تحلية مياه البحر لجهة الدار البيضاء، باستثمار إجمالي يبلغ 613 مليون أورو، وهي الأكبر في إفريقيا، إضافة إلى عقود ودراسات هندسية إسبانية أخرى.
بطبيعة الحال، لا تستطيع دولة محترمة أن تمزق العقود بلا تبعات قانونية أو تعويضات، لكن في الصفقات المستقبلية، والمشاريع الجديدة، والتوسعات والامتيازات، توجد شركات فرنسية وتركية وصينية وكورية وغيرها قادرة على المنافسة، فالسوق المغربية ليست ملزمة بأن تبقى امتدادا طبيعيا للشركات الإسبانية.
وسياسيا، الكلفة أكبر. التعاون المغربي الإسباني في الهجرة والأمن ومكافحة الإرهاب ليس خدمة أحادية الاتجاه، إسبانيا نفسها تقدم عملية عبور المضيق نموذجا للتنسيق بين البلدين.
وفي سنة 2025 مرّ عبرها 3.49 ملايين مسافر و857 ألف مركبة، وإذا تدهورت العلاقات، يستطيع المغرب إعادة تقييم مستوى التعاون الحدودي والأمني وفق التزاماته القانونية والدولية، كما تستطيع الجالية المغربية الأوروبية أن تختار بصورة أكبر المسارات الفرنسية والبرتغالية أو الخطوط البحرية المباشرة.
وهناك السياحة أيضا، فقد أنفق السياح القادمون من المغرب في إسبانيا خلال 2025 نحو 1.084 مليار أورو، بزيادة 16.7 في المائة، وهو إنفاق تستفيد منه بصورة خاصة مناطق الجنوب الإسباني. السياح أحرار بطبيعة الحال، لكن الأسواق تعرف جيدا ماذا يعني أن تتحول وجهة بهذا الحجم نحو فرنسا أو البرتغال أو تركيا.
لذلك، إذا كان بعض كتاب الرأي في إسبانيا يريدون تحويل الجوار إلى جدول للعقوبات والحروب التجارية، فليحسبوا الجدول كاملا.
