المثقف الصحراوي: هَجْرُ السياسة والهِجرَة إلى التراث
إضافة: بقلم الدكتور عثمان سيلوم
لعل السمة الغالبة على المثقفين الصحراويين هي الفرار من شمس السياسة الحارقة إلى ظل التراث الحساني الظليل.
وتتعدد العوامل التي كرست ثقافة الفرار تلك، الفرار من سؤال السياسة الحارق الخشن، إلى إجابة الثقافة الحسانية الباردة الناعمة، فتجدهم مهاجرين شرعيين وغير شرعيين من كل تخصص نحو التراث الحساني متدثرين برداء الباحث في التراث الحساني، ذلك اللقب الملقى على قارعة الطريق المتاح لكل يد واصلة إليه.
لا أرى حاجة هنا لمناقشة مبررات ذلك الفرار، لأنه لا توجد قدرة حجاجية لهز قناعة الفار بالفرار، فالعقل البشري مبدع في خلق المبررات والأعذار لكل وضعية غير منطقية أو غير أخلاقية أو غير سوية حتى تصير نقيص ذلك ليستطيع صاحبها أن ينام: فالمومِس لها أعذارها، والمجرم له أسبابه، والشرير له مبرراته.
لكنني أريد أن أسائل الفرار من زاويتي الفهم والنتائج.
أما الفهم، فالصحراوي رغم أنه لا يستطيع الفرار من السياسة عيشا، لأنه يعيشها من لحظة استيقاظه إلى أن ينام، وربما يرى في أحلامه شيئا من السياسة، كأن يرى حلم دولة يتحقق وهو يحمل علما يركض به في الشوارع فرحا بعد طول صمت وتقية وانتظار، وقد يرى نفسه في الحلم نفسه يعتلي كرسي منصب كبير مع دولة أخرى، وقد يرى نفسه بين يدي الملك شخصيا وهو يزين صدره بوسام، لما لا؟ فالأحلام هي متنفس التناقضات التي يكبتها الإنسان بكثرة التبريرات.
إلا أن ذلك الحالم على مستوى المواقف، لا يكاد ينطق بكلمة، نأيا بالنفس عن مستنقع السياسة، بحجة أن “من السياسة ترك السياسة”، يريد المثقف الصحراوي أن يأكل القوت ويلزم البيوت وينتظر الموت، فالزمن زم فِتنَة، والأحوط هو ترك المفتونين إلى أن ينتهوا من صراعهم للانضمام إلى المنتصرين.
لا يريد المثقف الصحراوي أن يخسر أحدا من أحدي طرفي النقيض، وذلك لا يمكن أن يثبت عقلا؛ وما أبى الثبوت عقلا المُحال، يريد أن يظهر بمظهر المواطن الصالح، وقد يضطره سياق معين إلى التعبير عن وطنيته تحت عبء الشك المتواصل أو المراقبة الحثيثة من قِبَل أجهزة الدولة، حفاظا منه على أمل الحصول على المنصب الذي حلم به البارحة، ومع ذلك تجده متوددا للطرف النقيض بالصمت أو بالدعاء أو بعبارة دعم خاطفة، ظنا منه أنه بذلك لن يخسر أحد طرفي النقيض، لكنه للأسف يخسر نفسه.
ما أضيق حياة المثقف الصحراوي لولا فسحة التراث الحساني.
وبعيدا عن لوم المثقف الصحراوي بسبب هِجرَته وهَجْرِه للشأن العام، لم نجد المثقف الصحراوي قد حقق عائدا من تلك الهجرة الجماعية نحو التراث الحساني، إذ لم يستطع صباغة نموذج تفسيري للثقافة الحسانية بخصوصيتها الصحراوية، ومن داخل الثقافة فررنا من الأسئلة الحرجة إلى متعة دق طبل التمجيد والتقديس والاحتفاء السطحي بالفولكلور المستحوذ على الإعلام والأنشطة الثقافية، وغالبا ما يكون سبب الهجرة ظرفا ماليا مقدما للمتحدث عن الثقافة الحسانية بكل حمية (شوي مع الهنا زاكي)
يخاف المثقف الصحراوي من التصنيف، لذلك يستميت في البقاء غامضا ضبابيا مذبذبا لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، ظنا منه أنه ماهر في مراقصة الأفاعي المتربصة.
كم صار صعبا على الصحراوي أن يكون واضحا.
أما على مستوى انعكاس ذلك الهجر الجماعي للشأن العام، فهو وخيم، وخيم، ولا حاجة للاستطراد فيه، لذلك نكتفي بإشارات موجزة لا يصعب فهمها:
– رداءة الحياة السياسية
– تمثيلية عار
– تبديد قيمة الصحراء والصحراويين
– تأبيد النزاع الذي تقتات في مستنقعه الطفيليات
– استدامة معاناة الصحراويين الذين تظن أنك تسدي لهم معروفا بفرارك من شظف السياسة إلى رغد الثقافة.
