منبر إعلامي متجدد يهتم بشؤون وقضايا جهة الصحراء
ocp -18

حقوق الإنسان بالمغرب وسياقات الإنتقال من الترسيم الدستوري إلى بناء الأجندة الحقوقية في السياسات العمومية

جريدة إضافة: بقلم محمد المصطفى خيا

تضمن دستور 2011 جميع الحقوق كما هي متعارف عليها عالميا، حيث شكل قفزة نوعية في تاريخ التراكم الديمقراطي بالبلاد، ومعه ظهرت إلى الوجود متطلبات عديدة، منها ضرورة الأخذ بالمقاربة المبنية على حقوق الإنسان، والتشاور مع جميع الفاعلين، حيث كان الجواب عن هذه الضرورات هو تفعيل السياسات العمومية في مجال حقوق الإنسان، سواء التي تتخذ شكل قوانين منذ استقلال المغرب، أو تلك التي هي على شكل برامج، أو الممارسة التي راكمها المغاربة في هذا الإتجاه. ولا يخلو كل فعل ضمن السياسات العمومية من نقاط ضعف وقوة، عادة ما ترتبط بالمعيقات على أرض الواقع، أو بمسألة الكلفة، أو بالفاعل السياسي، لذلك سنحاول استنتاج واستشراف هذه العوامل على مستوى الفعل في السياسات العمومية الحقوقية.

 

٠المعيقات على أرض الواقع:

-إن المجتمع المغربي هو مجتمع مركب بتعبير بول باسكون، حيث يجمع بين عقليات وأنماط كثيرة، لذلك فحقوق الإنسان بالمفهوم الذي تدعو إليه المنظمات الحقوقية أو الفاعلين خصوصا أصحاب التوجه الليبيرالي المعاصر، لا يمكن أن تطبق بالشكل النمطي، وإنما يجب تقسيم حقوق الإنسان حسب الضرورة وحسب الأمن المجتمعي، والذي يدخل ضمنه سيادة الدولة ونظامها السياسي، والحفاظ على المكتسبات.

-إن حقوق الإنسان لها علاقة وطيدة بتسريع التحول على مستوى المجتمعات، وخصوصا المجتمعات المغاربية، لهذا فالمجتمع المغربي بصورة سوسيولوجية لم يتحمل حجم الحقوق المنصوص عليها في الدستور دفعة واحدة، حيث أصبح اليوم النقاش العمومي يدور حول حقوق دون غيرها، وأخرى غير مؤسسة على طبيعة المجتمع المغربي، وهو ما يطرح الإستعداد الإجتماعي والنفسي للحديث عن سياسات عمومية بمخرجات متكاملة.

 

٠حقوق الإنسان والسياسات العمومية:

-الكلفة المحتملة:

إن الحديث عن الكلفة لا ينصرف فقط للمجال المالي، بل الحديث هنا عن الكلفة السياسية والأمنية والإجتماعية.،حيث يشكل الجانب المالي في السياسات العمومية الحقوقية أهم الجوانب التي تعتمد عليها الحكومة لتفعيل وتنزيل السياسات الحقوقية على أرض الواقع، إلا أنه مع التجربة تبين أن سياسات عمومية تحظى بالدعم دون غيرها بقيت حبرا على ورق، كما أن التضخم الحاصل في السياسات العمومية جعل من الصعب والمستحيل تمويل بعضها كما جاء في صفحات “لا متناهية ” (خطة العمل الوطنية في مجال الديمقراطية وحقوق الإنسان) بل كان الهدف منها نوع من إرضاء النفوس ارتبط بالفاعل السياسي أحيانا.

 

-بالنسبة للكلفة الأمنية، فحقوق الإنسان من الزاوية الأمنية أصبحت القوة الناعمة الجديدة لقيادة التغيير في العالم، والتغيير ليس دائما موجه نحو الأفضل، بل يخدم أحيانا مصالح قوى ضد قوى أخرى، والدليل أن مجموعة من البلدان التي خرجت شعوبها للمطالبة بكلفة أعلى من الحقوق لم تنجح، بل كانت فقط وسيلة لتغيير معادلات في أرض الواقع، لم تستطع القوة العسكرية تغييرها.

 

٠الفاعل السياسي:

-إذا كان الجانب المعياري من حقوق الإنسان يتطلب نفسا منفتحا على جميع الإتجاهات وماسكا بالمصلحة الوطنية، فإن احتكاك الفاعلين السياسيين مع موضوعات حقوق الإنسان والسياسات العمومية فتح المجال أمام الإستغلال، إنتخابيا كان أو سياسيا، فأصبح دفع ودعم سياسة عمومية ما يحسب للفاعل ولا يحسب للمجتمع والمتدخلين في السياسات العمومية بصفة عامة.

 

-الإعتبارات الحزبية أثرت كثيرا على الخروج من مأزق مناقشة بعض القضايا التي تعتبر محورية لدى المجتمع المغربي، وتجلى ذلك في بعض الخلافات التي جعلت مسؤولين عن سياسات عمومية يزاوجون بين البرنامج الحزبي والبرنامج الحكومي في موضوع حساس هو حقوق الإنسان. نفس الأمر حدث على مستوى المجلس الوطني لحقوق الإنسان، والذي يعتبر الفاعل المحوري في تتبع قضايا حقوق الإنسان والمساهمة في صياغة سياسات عمومية حقوقية، حيث أن التساؤل مطروح إذا كانت مبادئ باريس حول المجالس الوطنية لحقوق الانسان قد ميزت بين خطر استقدام الفاعل السياسي (مقاربة تشاركية) في عضوية المجلس، ويكون في نفس الوقت ينتمي للسلطة التشريعية.

محمد المصطفى خيا

•رئيس مركز الساحل للدراسات والتحليل الإستراتيجي ببوجدور

•باحث بسلك الدكتوراه في شعبة القانون العام والعلوم السياسية

•مهندس دولة(درجة رئيس)ورئيس مصلحة بالمكتب الوطني للصيد