منبر إعلامي متجدد يهتم بشؤون وقضايا جهة الصحراء
Atlas

المغرب وموريتانيا… الجدار الطويل (تحليل)

إضافة: الموريتاني الوريث محمد يحظيه

بين موريتانيا والمغرب جدارٌ لا يُرى، لكنه يُحَسّ. جدارٌ لا يقوم على الحجر، بل على التاريخ؛ ولا يرتفع على الحدود، بل في الوعي السياسي للبلدين. إنه جدارٌ تشكّل من رواسب الممالك القديمة، ومن ظلال الصحراء الغربية، ومن لعبة النفوذ التي لم تتوقف منذ القرن الثالث عشر حتى اليوم.

منذ أن خرج المرابطون من صحراء تشيت ليُصعدوا المغرب إلى مكانته الإمبراطورية، ظلّ سؤال النفوذ بين البلدين سؤالًا مؤجلًا. المغرب يرى موريتانيا امتدادًا طبيعيًا له، وموريتانيا ترى في المغرب ذاكرة قريبة أكثر مما ترى فيه جغرافيا شريكة.
تلك العلاقة غير المكتملة صنعت شعورًا متبادلًا بالاحتياط: الرباط تُراقب نواكشوط، ونواكشوط تُلاحظ الرباط، وكلاهما يعرف أن التجاهل أخطر من الانتباه.

الصحراء الغربية كانت، وربما ستظل، “الاسم الحركي” للجدار الطويل.
حين اعترفت موريتانيا بـ«الجمهورية الصحراوية» سنة 1979، لم يكن ذلك اعترافًا بكيان بقدر ما كان إعلانًا عن رغبة في النجاة من حربٍ لم تخترها، وعن مسافة آمنة من شمالٍ يريد أن يبتلع الجنوب بنعومة، فاختار الجنوب أن يبتعد بخشونة.
ومنذ تلك اللحظة، دخلت العلاقات مرحلة طويلة من البرود الدافئ: حرارة في الخطاب، وبرودة في الثقة.

المغرب، من جهته، يتقن لعبة العناوين الكبرى: الوحدة الترابية، الشرعية التاريخية، عمق الدولة العلوية.
بينما موريتانيا، الدولة الأحدث، تتقن لعبة النجاة: ألا تُساير المغرب أكثر من اللازم، ولا تُخاصم الجزائر بالمطلق…، ولا تسقط في فخّ الاصطفاف، ولا تقف في عزلةٍ تامة.
هكذا صار “الحياد الإيجابي” ليس موقفًا سياسيًا، بل غريزة بقاء.

لكن الجدار لا يقوم فقط على السياسة.
يقوم أيضًا على صورة الشعبين عن بعضهما:
الموريتاني يرى المغرب بلدًا قويًا لكنه يقترب أكثر مما ينبغي، والمغربي يرى موريتانيا بلدًا ضعيفًا لكنه يبتعد أكثر مما يجب.
لهذا ظلت العلاقات بينهما تشبه السير على حافة السور: خطوة زائدة قد تثير الشك، وخطوة ناقصة قد تُحسب على أنها تراجع.

ومع ذلك، لا يمكن تجاهل أن المصالح اليوم أعادت رسم خطوط الجدار:

المعبر التجاري في الكركرات، العلاقات الاقتصادية، اليد العاملة، التبادل التعليمي، العملاء السياسيون، والصراع الصامت في ساحات الإعلام وشبكات النفوذ.
كلها عناصر تُظهر أن الجدار ليس حاجزًا، بل ممرًا ضيقًا… لا يسمح بالثقة الكاملة، لكنه لا يسمح بالقطيعة أيضًا.

موريتانيا، بسياستها الهادئة، تعرف أن الجدار الطويل يمكن أن ينهار إذا وقفت تحت حطامه وحدها.
والمغرب يعرف أن أي ضغط مفرط على نواكشوط قد يدفعها أكثر نحو الجزائر، وهو ما لا يريده.
لذلك تُبنى العلاقة اليوم على قاعدة بسيطة:
التفاهم دون الالتصاق، والاختلاف دون صدام، والجوار دون أحضان إضافية.

في النهاية، الجدار الطويل ليس جدارًا بين شعبين، بل بين سرديتين:
سردية دولة تبحث عن نفوذ، وسردية دولة تبحث عن استقلال.
وبينهما، تظل الصحراء الغربية هي “الحجر الكبير” في أعلى الجدار…
كلما حاول أحدٌ تحريكه، اهتزّت المنطقة بأكملها.

خاتمة

المغرب وموريتانيا لا يشبهان بلدين جارين فحسب؛
إنهما يشبهان ظلّين يقف كل واحد منهما خلف الآخر، يراقبانه، ويستدعيان منه ما يريدان، ويخشيان منه ما يعرفان.

وما لم تُبنَ الثقة على الوضوح بدل المجاملة، سيظل الجدار الطويل قائمًا…
لا ينهار تمامًا، ولا يستقيم تمامًا.

الوريث محمد
يحظيه