منبر إعلامي متجدد يهتم بشؤون وقضايا جهة الصحراء
ocp -18

أسطر عميقة…في رثاء الأب المحفوظ ولد عزات

إضافة:

أقيمت البارحة أربعينية الأب المحفوظ عزات بحضور أقاربه ومعارفه ومحبيه، وكانت مناسبة لتجديد الرحمات على الراحل الذي غادر إلى مثواه الأخير مُحملا بسيرة عطرة وسمعة طيبة من وراء تراكمات طويلة إستغرقت منه حوالي 86 سنة أي منذ ولادته عام “النكظة” كما يسمى عند الصحراويين والموافق تقريبا لما بين سنتي 1938 / 1940.

وبما أن تسمية “النكظة” تعني عند مجتمع البيظان “أمطار الصيف” المتساقطة خلال شهر مايو، فيمكن القول أن المحفوظ وبمعية أخرين، قد توفاه الله وهو أنظف وأنقى من مياه أي غمامة أو “نكظة” قد تلبدت بها سماء الصحراء من عدة نواحي أخلاقية وإنسانية…

فالمحفوظ رحمه الله، وكما يؤكد من عرفوه لم تشبهُ أية شائبة..، ولم تسجل عليه قيد حياته والتاريخ لا يرحم أي هفوة طيلة المحطات العصيبة التي عاشتها منطقة الصحراء لا سيما خلال “سنوات الرصاص” التي أخذت من عمره قسرا حوالي 13 شهرا قضاها داخل السجن وتحت جميع صنوف التعذيب.

تهمة أن المحفوظ أنه حفظ لسانه.. ولم يسقط كما سقط الكثيرون خوفا وطمعا وحقدا كما نعلم، رافضا التشكيك في نوايا الناس ومواقفهم، مترفعا عن دور “المُوصل” بالوشاية الكاذبة أو “الكرظة” التي حصدت أنذاك أرواح المئات من الأبرياء بين العيون والسمارة.

كان المحفوظ ولد عزات، ذاك الولي التقي الحامل لكتاب الله، ولم يبخل على المحتاجين بالتداوي من تلك الأسرار الروحانية والكتابية الفعالة التي حباه الله بها، وما كان يُساوم بها أبدا، ولا إتخذها وسيلة في تحقيق مآرب دنيوية رغم العروض السخية المقدمة.

كان المحفوظ ولد عزات، بعيدا عن مقرات الإدارة والسلطة، لدرجة أنه لم يلج مقر عمالة العيون إلا مرتين تقريبا، الأولى حين إستدعاه صالح زمراك بعد خروجه من السجن..ولولا تواجد صديقه الحميم الكولونيل الديش صُدفة لكان عاد إليه..، أما المرة الثانية فكانت لتقديم واجب العزاء في والدة الوالي الخليل الدخيل لما كان يجمعهما من صحبة قديمة.

كان المحفوظ ولد عزات رحمه الله، قيد حياته شخصية مفعمة بالبساطة وحس الدُعابة، لطيفا صديقا للصغير قبل الكبير، ووالدا لمختلف الشرائح المجتمعية الجنوبية منها والشمالية على السواء، لا فرق عنده بين هذا أو ذاك، بين الأغنياء والفقراء، الأعيان والبسطاء، المنتخبين والمواطنين الضعفاء…

كان المحفوظ ولد عزات زاهدا في اللقاءات والمجالس ذات الصبغة السياسية، ولم يحضر إلا قليلها أخرها كان بتشريعات2011 ، بهدف إلقاء كلمة أمام مرشح حزب الاستقلال سيحثه خلالها على إحداث جامعة مستقلة لأهل الصحراء، لولا أن الراحل محمد فاضل ولد جولي، إلتمس منه التريث بهذا المطلب ظنا منهما رحمهما الله، أن إطلاق هذا الورش التعليمي المهيكل بتلك السهولة أو بيد منتخب معين.

كان المحفوظ بمطلبه هذا، لا يفكر في أبناءه الدارسين بالجامعات الشمالية، وإنما إستحضر هموم جميع أبناء الصحراء وعوائلهم مُستبقا بفكرته تقارير المجلس الاقتصادي والاجتماعي الصادرة سنة 2013، وكافة محاور النموذج التنموي لسنة 2015، وكذا توصيات الندوات والملتقيات التي باتت توصي مؤخرا بإحداث جامعة بجهتي العيون والداخلة إضافة إلى جهة كليميم.

كان المحفوظ ولد عزات منحدرا من قبيلة معينة، لكنه حرص أشد الحرص على الإنتماء إلى معظم قبائل الصحراء، مشكلا رحمه الله نموذجا مثاليا في تكريس العلاقات الاجتماعية كما ترجمتها جموع الحاضرين لصلاة جنازته وتشييعها قادمين من كل فج عميق تدفعهم المحبة الخالصة لا المصلحة، والإحترام الذي لا يشترى بالمال لشخصه المُنزه عن الكولسة والنميمة، وسفاسف الأمور كما وصفه إبراهيم السالم ولد الزوبير ب “مكط لحك أركاج بشوكة”.

هكذا عاش إذن المحفوظ بطريقة هنية رضية، وعلى الكفاف والعفاف مما رزقه الله، مبتعدا عن مقدرات الدولة ومجالسها المنتخبة التي لم يستفد منها قطُ من أي إمتياز أو “كارطية” أو بقعة أرضية، أو وظيفة عمومية، معتمدا قيد حياته على الكد الحلال في تربية أبناءه ومواجهة هذه الحياة إلى أن غادرها بهدوء وسلاسة ومثلما عاشها واقفا شامخا، فإنه تركها أيضا واقفا شامخا.