نهاية الزعامة في المغرب
إضافة: توفيق بوعشرين
في لحظات التحوّل الكبرى، لا تقاس قوة الأمم بعدد مؤسساتها ولا بصلابة أجهزتها فقط، بل بقدرتها على إنجاب زعامات تُجسّد المعنى قبل المنصب، والفكرة قبل الموقع، والتاريخ قبل اللحظة العابرة. والحديث عن الزعامة في المغرب ليس حنينًا إلى الماضي بقدر ما هو محاولة لفهم حاضر يتيم، يبحث عن ظله في مرآة الأمس.
كلمة حول الزعامة في المغرب…
في المغرب، كان هناك زعماء كبار في الدولة والأحزاب والمجتمع،
وُلدوا من سياقات ثلاث: التحرير / بناء الدولة / والصراع على السلطة.
سياق التحرير ومقاومة الاستعمار الفرنسي سمح ببروز زعامات كبيرة تحظى بكاريزمية مهمة مثل: السلطان محمد الخامس، والزعيم علال الفاسي، والدينامو المهدي بن بركة، والرئيس عبد الله إبراهيم، والقائد عبد الرحيم بوعبيد، ورجل الدولة احمد بلافرج، اليزيدي، والمفكر بلحسن الوزاني، والمثقف عبد الهادي بوطالب، وغيرهم.
كانت تلك أسماء لا تُذكر فقط في كتب التاريخ، بل تُستحضر كأصوات في الذاكرة الجماعية، كانت لها بصمة وأثر سواء في الدولة او المجتمع واستمرت حاضرة في سياق بناء دولة الاستقلال والتدافع الحاصل بين اكثر من مشروع .
ثم جاء عصر الصراع على السلطة وعلى الاختيارات الأيديولوجية والسياسية،
وهو سياق أيضًا سمح بميلاد زعماء كبار، أولهم الملك الحسن الثاني، والمعارض عبد الرحيم بوعبيد، وعبد الرحمن اليوسفي، ورضا كديرة، والمحجوب بن الصديق، وأحمد بوستة، وعبد الخالق الطريس، ونوبير الأموي وعبد السلام ياسين، وعمر بنجلون….
كان الصراع، في تلك المرحلة، رحمًا قاسيًا، لكنه كان يُنجب شخصيات بحجم الأسئلة الكبرى التي كانت تطرح في الدولة والمجتمع.
لكن في زمن التوافقات والسلم الاجتماعي والهوس ببناء الثقة والبحث عن الإجماع ،
انتهت هذه السياقات التي كانت مطبوعة بالصراع والتنافس ،
وولدت سياقات أخرى تحوّلت فيها الأحزاب، التي كانت تاريخيًا:
• مدارس أيديولوجية،
• فضاءات لتكوين القيادات،
• مسارات نضالية طويلة، فيها سجون ومنافي وشهداء وتعذيب وتضييق،
تحولت الأحزاب إلى منصات plateformes لتدبير مسارات أصحابها ونخبها المتنفذة التي لم تعد ترى للفعل السياسي من مكان سوى في العلاقة مع القصر ورجاله ومساعديه …فلم يعد هناك مكان لزعامة تربت في زمن السلم الاجتماعي والوئام السياسي والتوافق على كل شيء انتقلت المبادرة الاستراتيجية كلها إلى مركز الدولة وصارت الأحزاب تتنافس فقط على من يخدم افضل ومن ينفذ احسن ومن يتنازل أكثر هنا انتهت الزعامة وبدات الخدمة ….
اليوم، في المغرب كما في دول أخرى:
• تحوّلت الأحزاب إلى آلات انتخابية،
• أو شبكات زبونية،
• أو منصات ترشيح سريعة،
او قاعات انتظار كبيرة .
فأصبحت النخب السياسية تخرج من:
السوق، لا من التنظيم الحزبي،
ومن رأس المال، لا من القاعدة الاجتماعية،
ومن الترتيبات التي تضعها الإدارة،
لا من عمق الصراع المجتمعي أو الأيديولوجي أو الثقافي.
غياب الزعامات الكبرى ليس صدفة، بل نتيجة:
• مجتمع متشظّي،
• ثقافة سوق مهيمنة،
• سياسة فقدت بعدها التاريخي والفكري ، وتحولت إلى وظيفة مُدرّة للدخل والجاه والعلاقات، وبناء شبكات المصالح بالاعتماد على شراء الإعلام والتناغم مع ما يُسمّى بالدولة العميقة.
وفي هذا الفراغ، يتقدّم التيكنوقراط ورجال المال والأعمال والإدارة ومتوسطو المواهب، لأنهم يملكون:
• لغة العصر: إدارة الدولة كأنها شركة، وإدارة المجتمع كأنه سوق، وإدارة المواطنين كأنهم زبناء.الانسحاب من الصراع السياسي والاجتماعي والقبول بدور ثانوي في الحياة العامة
وهنا تحضر تقنيات التواصل والـ«ماركوتينغ» أي التسويق، وأرقام الاستثمار والنمو والعجز والتصنيف الدولي، والعلاقة بالبنك الدولي وصندوق النقد، والتوازنات الماكرو-اقتصادية، والعلاقات العامة.
ويجري، في الوقت نفسه، إفراغ المؤسسات من مضمونها الديمقراطي، والتعامل معها وظيفيًا فقط (مثلًا: البرلمان آلة للتصويت على مشاريع القوانين لا أكثر)…
هندسة مالية واقتصادية بلا بعد سياسي، ولا أيديولوجي، ولا فكري.
لم تعد نخب المرحلة تتحدث عن العدالة الاجتماعية، ولا عن الانتقال الديمقراطي، ولا عن جيل جديد من الإصلاحات، ولا عن مهام تحديث الدولة والمجتمع،
بل تتحدث فقط عن: نسب النمو، معدل الاستثمار، درجة التصنيف الائتماني، مستوى الجاذبية، وعدد السياح…
وهنا ينبت الفراغ،
ومن الفراغ تنبت أزهار الشر فماذا نصنع بالنخب والحالة هذه …
لكن المفارقة الكبرى:
هؤلاء «المدراء الجدد للسياسة» يصلحون لإدارة الاستقرار،
لا لقيادة التحوّل والتغيير والإصلاحات العميقة في الدولة والمجتمع.
هناك حكمة أمريكية تقول:
الزعماء من الدرجة الأولى يختارون مساعدين من الدرجة الثانية،
أما الزعماء من الدرجة الثانية فيختارون مساعدين من الدرجة العاشرة.
وهذا مثال ربما، ينطبق على الثنائي : أخنوش وشوكي..مرحبا بك
