جرأة السواعد (تحليل)
إضافة: مراسلة
يشكل تحول الباراديغم داخل قبيلة السواعد بعد واقعة إثنين من شيوخها خلال مأدبة غذاء رسمية بمقر ولاية العيون بمناسبة ذكرى المسيرة الخضراء، تحديا حقيقيا للطبقة السياسية والمثقفة التي يزخر بها المكون الحيوي، ولكافة أفراده من الشباب والشيوخ والنساء بمختلف مدن جهة الصحراء..
فرهان القبيلة على الإصطفاف وراء شيوخها المعنيين، في إطار القانون والأعراف، يعتبر سابقة من حيث التأطير والإجماع الذي أعلنته السواعد رغم التحفظ الشكلي لقلة لا تتجاوز أصابع اليد من نخبها في العيون والسمارة بحكم إرتباطاتهم..ورغم ذلك، فهم في قرارة أنفسهم يدعمون هذه “الفزعة” الساعدية ومُعجبين بها في العمق حتى الثُمالة، باعتبار أنها تشكل قوة غير َمعلنة وضمنية بالنسبة لهم، في حال تعرضهم لأي شطط أو مس من طرف أي جهة ما.
إن اللعب على الحبلين، والنفاق، والخطاب المزدوج، والوفاء من طرف بعض السواعد لهندسة متغيرة بلغت مداها، أضحى أمرا غير صحيا، فقد حان وقت الالتزام بالوضوح الاستراتيجي من طرف نخبة وأفراد هذا المكون القبلي الهام والمؤثر بواد الساقية الحمراء ومجاله الترابي.
وكما يؤكد معظم السواعد، أنه يتعين على فاعليهم وساستهم ومثقفيهم، الخروج من منطقة الراحة الخاصة بهم، والتحلي بالجرأة وشجاعة التفكير في مصالح المكون مُنحدرهم ومنطلقهم، الذي سيظل حضنهم الاعتباري المؤتمن، كهوية بصرية في البروز لإعتلاء المجالس واللوائح الانتخابية وقاطرة من أجل ولوج البرلمان كما تفعل وتعتقد بذلك القبائل الأخرى.
إن الاستمرار في دعم مواقف موروثة عن الحقبة الماضية، أصبح متجاوزا مقارنة بالتطورات السياسية الراهنة بجهة الصحراء، الناجمة بالأساس عن جهود الملك محمد السادس ودبلوماسية جلالته الدولية، فضلا عن إتفاقيات أبراهام، وقرار مجلس الأمن، الأخير، إضافة لريادة المغرب بافريقيا، وكذا التحولات القادمة في المستقبل الذي سيكون بهذا الثمن..
إنه ثمن الجرأة، والذكاء والعمل من طرف سواعد الركيبات على الحد مما يعتقدونه النمطية المتعلقة بالاكتفاء الذاتي السياسي، إلى البحث كما يقولون عن تموقع أكثر قوة وإنتشارا بمعية القبائل الصحراوية التي سيحتدم بينها التسابق وفق الديمقراطية على تصدر المشهد وأخذ نصيبها من خطة الحكم الذاتي.
وكما يرى مراقبون ومحللون، أن ثقل ومكانة السواعد منذ الاستعمار الاسباني، إلى يوم الناس هذا بسنة 2025، أصبحت تفرض بإلحاح على هذه القبيلة المجاهدة، العمل كي يتم إعادة إكتشافها من جديد، أمام المكونات القبلية الأخرى وجميع القوى السياسية والحزبية ولا سيما الدولة المغربية مربط الفرس.
طبعا مكون السواعد جزء لا يتجزأ من قبيلة الشرفاء الركيبات، وله المكانة المرموقة، بداخل جماعتها وضمن ذلك المجلس الموقر، الذي لولا التظافر بين أعضاءه لما قطعوا فتيلا، والأكيد أن من لا يلاحظ هذا المعطى يعاني من عمى وقصور النظر الذي يكاد يصل إلى مرحلة الجهل التام والمُطبق بالتاريخ والحاضر.
غير أن من يسعون إلى شيطنة ومحاكمة تحركات شباب السواعد في نصرة شيوخ قبيلتهم ورد الاعتبار لها، بدعوى أنها أربكت الحسابات، فهم مخطئون وسيقفون سريعا، بأم أعينهم، على أن عودة السواعد إلى ما كانت عليه، في إطار باراديغمات جديدة، ستفتح آفاقا غير مسبوقة لأعراش ومشيخة الركيبات تحديدا.
أفاق لم يكن يجرؤا أحد، حتى على مجرد تخيلها والحلم بها، وذلك بما يخدم الدولة المغربية وسيعزز مقاربتها التي تندرج دينامية السواعد الأخيرة ضمن أشكالها وتمظهراتها الإيجابية، خصوصا وأنها تأتي في سياق إستثنائي يعيشه نزاع الصحراء الذي تتجسد خلاله من سخرية القدر قضية شيوخ القبيلة مع خصيمهما وتحاكيه في الكثير من تفاصيلها إذا تأملنا، لا من حيث الأطراف الرئيسية أو الثانوية في إطار القياس بين هذا النزاع من ذاك.
وإذا كانت الممكلة المغربية ستضع جزء من صلاحيات حكم الاقليم بيد الصحراويين، فلن تقبل بتركيز هذا الحكم الذاتي في يد جهة معينة سواء من صحراويي الداخل أو الخارج، بل ستتخلى عن مبدأ التركيز نحو مبدأ التفريع للاختصاصات والتوزيع العادل بمنهجية ديمقراطية ستكون هي العنوان الأبرز في طمأنة القبائل الصحراوية بهدف تحقيق مصالحها وتموقعها في إطار من الاحترام والتعايش السلمي الذي يضمنه الدستور المغربي بعد أجرأة تعديله.
كما سيتأكد أولئك المخطؤون المتواطؤن، كيف أن التاريخ لا يعترف، ومن أوسع أبوابه، إلا بالرجالات الذين يتمتعون بالشهامة وبعد النظر والرأي السديد، ومن يتوفرون على رؤية جريئة لمستقبل أفضل ويضعون أنفسهم في مدار التحيين، ومواكبة التحولات الجيو استراتيجية الكبرى التي ستشهدها الصحراء والتي يجب أن يتحملوا خلالها كامل مسؤولياتهم الأخلاقية والسياسية عملا بالحكمة الحسانية القائلة.. ”جمل إعظ إبلوا ما تجتمع عليه”.
