منبر إعلامي متجدد يهتم بشؤون وقضايا جهة الصحراء
Trono 27

الحسانية خارج النص…خلال عرض رئيسة الحكومة

إضافة: بقلم لحبيب عيديد باحث في السياسات العمومية الثقافية

يحتل التصريح الحكومي، بمقتضى الفصل 88 من الدستور، موقع الوثيقة التعاقدية المؤسِّسة للولاية الحكومية: فعليه تُمنح الثقة، وبه تُقاس الحصيلة، ومنه تُستمد مشروعية الأسئلة البرلمانية. ومن ثمّ فإن ما يُدرج فيه يدخل دائرة الالتزام والمساءلة، وما يُستبعد منه يخرج، عملياً، من أجندة الفعل العمومي المُلزِم.

وقد خصص تصريح ولاية 2026–2031 أولوية كاملة لـ«صيانة الهوية والمواطنة وتماسك المجتمع»، وأعلن فيها التزاماً متقدماً لفائدة الأمازيغية (صندوق بملياري درهم، ولجنة وزارية دائمة، وتقرير سنوي بالمؤشرات)، وجملة عامة حول التراث والولوج إلى الثقافة. كما منح قضية الصحراء والأقاليم الجنوبية موقعاً بارزاً في أولوية السيادة والإشعاع الدولي. غير أن الحسانية، التي يُلزم الدستور بصيانتها، لا ترد في أي موضع من النص.

فما دلالة غياب الحسانية عن التصريح الحكومي، في ظل مرجعية دستورية صريحة، وحضور قوي لقضية الصحراء، والتزام مرقّم لفائدة مكوّن لغوي-ثقافي آخر؟ وما الآثار المترتبة على هذا الغياب من حيث الشرعية والمساءلة والتنمية؟
إن غياب الحسانية ليس سهواً تحريرياً، بل هو نتاج تقاطع ثلاثة عوامل: منطق برنامجي يُدرج ما هو مؤطر بقانون وقابل للقياس ويُسقط ما سواه؛ ومقاربة للأقاليم الجنوبية تُدبَّر فيها الثقافة خارج البرنامج الحكومي العام؛ وضعف نسبي في الترافع المؤسساتي حول الحسانية مقارنة بالأمازيغية.

أولا: الحسانية في المرجعية الدستورية والقانونية

لا يكتسب الغياب دلالته إلا بقياسه على ما كان منتظراً؛ ويتبيّن من المنظومة المعيارية أن الحسانية ليست مجرد تعبير ثقافي محلي، بل مكوّن مؤسِّس للهوية الوطنية تحميه نصوص من أعلى درجات التراتبية القانونية، إذ أن الحسانية تحظى بما يمكن تسميته تأطيراً معيارياً مكتملاً: اعتراف دستوري، وآلية مؤسساتية بنص تنظيمي، وموقع في المشروع السياسي لحل النزاع الإقليمي، وسابقة برنامجية في النموذج التنموي للأقاليم الجنوبية. ومن ثمّ فإن غيابها عن التصريح لا يمكن تفسيره بانعدام الأساس القانوني أو بحداثة الموضوع.

ثانيا: تشخيص الغياب – المواضيع التي كان الذكر فيها منتظرا

لا يقتصر الغياب على عدم ورود اللفظ، بل يتجلى في مواضع بعينها من النص كانت تستدعي الإشارة إلى الحسانية بحكم منطقها الداخلي. بل يتعلق الأمر بغياب في موضع واحد، بل بغياب بنيوي يتكرر في كل المواضع التي كان يمكن أن تستدعي الحسانية: الهوية، والثقافة، والصحراء، والسياحة، والتعليم. وهذا التكرار هو ما ينقل الظاهرة من مستوى السهو المحتمل إلى مستوى الصمت الدال.

وتزداد دلالة هذا الغياب حين نلاحظ التفاوت الحاد في المعاملة بين مكوّنين يجمعهما الفصل 5 نفسه، فالجدول المقارن الآتي يبيّن المسافة بين الأمازيغية والحسانية داخل النص.

لا يعني هذا التفاوت أن الوضعين متطابقان قانونياً؛ فالأمازيغية لغة رسمية لها قانون تنظيمي خاص يرتب التزامات محددة بآجال، بينما يُصاغ التزام الدولة تجاه الحسانية بلغة «الصيانة». غير أن اختلاف طبيعة الالتزام لا يبرر انعدامه؛ فالصيانة التزام إيجابي يقتضي بدوره سياسة وتمويلاً ومؤشرات، ولو بدرجة مختلفة.

ثالثا: تفسير الغياب

الفرضية الأولى: الاندراج الضمني في «الهوية الجامعة»

قد يُحتج بأن عبارة «الهوية المغربية الجامعة بتعدد روافدها» تتسع للحسانية ضمنياً، وهذه الفرضية ضعيفة تحليلياً؛ إذ لو صح منطق الاندراج الضمني لما احتاجت الأمازيغية بدورها إلى ذكر صريح. فالنص حين يسمّي مكوّناً ويسكت عن آخر يُنشئ، بمفهوم ماشري، تراتبية ضمنية بين المسمّى والمسكوت عنه، ويحوّل التعدد المعلن إلى تعدد غير متكافئ.

الفرضية الثانية: منطق «ما يُقاس يُكتب»
يرفع التصريح شعار ربط التعهدات بالنتائج، ويعتمد هندسة قائمة على نحو ثلاثين التزاماً مرقّماً. وفي هذا المنطق، تنزع الملفات المؤطرة بقانون تنظيمي ذي آجال ومؤشرات (كالأمازيغية) إلى الحضور، بينما تُستبعد الملفات التي لم تتحول بعد إلى أهداف قابلة للقياس. وهذه فرضية قوية، لكنها تكشف مفارقة: فالحسانية لا تغيب لأنها غير قابلة للقياس بطبيعتها، بل لأنها لم تُصَغ بعد في صيغة قابلة للقياس، وهو بالضبط ما يفترض أن يقوم به برنامج حكومي.

الفرضية الثالثة: التدبير الترابي-التعاقدي للأقاليم الجنوبية

منذ إطلاق النموذج التنموي للأقاليم الجنوبية سنة 2015، يُدبَّر جزء كبير من السياسات العمومية في هذه الأقاليم عبر عقود-برامج جهوية خاصة، تضمنت مكوّناً ثقافياً اشتغلت عليه المديريات الجهوية للثقافة في الجهات الثلاث. وقد يُفسَّر الغياب بأن الحكومة تعتبر هذا الإطار قائماً ومستمراً. وهي فرضية معقولة، غير أنها لا تعفي البرنامج الحكومي من الإحالة على هذا الإطار، ولا من الإعلان عن مواصلته أو تقييمه، خاصة وأن أفق النموذج التنموي الأول قد استُنفد.

الفرضية الرابعة: إحالة الملف إلى المستوى السيادي

يرتبط المكوّن الحساني ارتباطاً وثيقاً بقضية الصحراء، وهي في الممارسة الدستورية المغربية من المجالات التي تتولى المؤسسة الملكية توجيهها؛ وقد يُفسَّر الصمت بنوع من التحفظ المؤسساتي إزاء ملف ذي حساسية سياسية. غير أن هذا التفسير يصطدم بكون التصريح نفسه تناول قضية الصحراء صراحة، وبكون الصيانة الثقافية شأناً تدبيرياً يندرج في صميم الاختصاص الحكومي، لا في المجال المحفوظ.

الفرضية الخامسة: تفاوت القدرة الترافعية
وفق نموذج «تيارات السياسات» عند جون كينغدون، لا تدخل القضايا جدول الأعمال الحكومي إلا إذا التقت فيها مشكلة معترف بها، وحلول جاهزة، ونافذة سياسية. وقد راكمت القضية الأمازيغية، عبر عقود، حركة مدنية وأكاديمية منظمة، ومؤسسة مرجعية (المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية)، وحضوراً في البرامج الانتخابية. في المقابل، يظل الترافع حول الحسانية مشتتاً بين فاعلين محليين وجامعيين وجمعويين، دون إطار وطني جامع، ودون أن تتحول هيئة المادة 15 إلى فاعل مرئي. وتُعدّ هذه الفرضية الأكثر قدرة تفسيرية، لأنها تفسر لماذا لم يُنتج التأطير المعياري المكتمل حضوراً برنامجياً.

خلاصة التفسير:

يبدو الغياب محصلة تفاعل بين الفرضيات الثانية والثالثة والخامسة: منطق برنامجي كمي، وإطار ترابي موازٍ، وضعف في الترافع. وهو ما يجعله، بمفهوم باخراك وباراتز، حالة لاقرار: لم يُتخذ قرار بإقصاء الحسانية، لكن البنية المؤسساتية والسياسية أبقتها خارج جدول الأعمال دون حاجة إلى قرار.

رابعا: كلفة الغياب

1. على المستوى الدستوري
يُفضي الغياب إلى تنزيل انتقائي للفصل 5، يُفعَّل فيه شق الأمازيغية ويُعلَّق فيه شق الحسانية، ويتعارض ذلك مع مبدأ وحدة النص الدستوري، ومع روح التصدير الذي يقدم الهوية الوطنية بوصفها وحدة متلاحمة بتنوع مكوناتها، لا تراتبية بينها.

2. على المستوى السياسي
يُحدث الغياب مفارقة في السردية الوطنية: فالدولة تقدم مبادرة الحكم الذاتي، بما تتضمنه من صيانة للتراث الحساني، بوصفها أساس الحل، بينما يخلو البرنامج الحكومي الذي يُفترض أن يمهد لهذا الأفق من أي التزام ثقافي تجاه الساكنة المعنية. والحال أن الاعتراف الثقافي يشكّل أحد أسس الشرعية والاندماج في الأقاليم الجنوبية، وأحد عناصر القوة الناعمة في الدفاع عن الموقف المغربي دولياً.

3. على المستوى التنموي

تختزل المقاربة السائدة الأقاليم الجنوبية في بعدها الترابي-الاقتصادي (موانئ، طاقات متجددة، بوابة أطلسية)؛ غير أن أدبيات التنمية المعاصرة، ومنها تقرير النموذج التنموي الجديد، تعتبر الرأسمال اللامادي والثقافة شرطين للتنمية المستدامة والتملك المحلي للمشاريع. ويُفوّت الغياب فرصة إدماج الثقافة الحسانية في الاقتصاد الإبداعي والسياحة الثقافية، رغم أن التصريح نفسه يربط الثقافة بالجاذبية السياحية.

4. على المستوى المعرفي والتراثي

تواجه الثقافة الحسانية، بحكم طابعها الشفوي الغالب، خطر التآكل الصامت: رحيل الرواة وحملة الشعر الحساني (لغْنَ)، وتحولات نمط العيش من الترحال إلى الاستقرار الحضري، وهيمنة الوسائط الرقمية. وكل ولاية حكومية تمر دون برنامج منهجي للجمع والتوثيق تعني خسارة غير قابلة للتعويض في الذاكرة الثقافية الوطنية. ويكتسب هذا البعد أولوية خاصة بالنظر إلى أن المادة 15 من القانون التنظيمي 04.16 جعلت الجمع والتوثيق مهمة مؤسساتية صريحة.
5. على مستوى المساءلة
بما أن التصريح الحكومي هو مرجع المساءلة البرلمانية، فإن غياب الحسانية عنه يُضعف أدوات الرقابة؛ إذ يصعب مساءلة الحكومة عن التزام لم تعلنه، ولا يمكن تتبع مؤشرات لم تُحدَّد، ولا مناقشة اعتمادات لم تُبرمج.

خامسا: مداخل التدارك
لا يُغلق التصريح الحكومي باب الفعل العمومي؛ فهو إطار عام تُترجمه قوانين المالية والاستراتيجيات القطاعية وبرامج الجهات، ومن ثمّ يمكن اقتراح المداخل الآتية:

1. المدخل البرلماني
 إثارة غياب الحسانية خلال مناقشة البرنامج الحكومي، ثم عبر الأسئلة الكتابية والشفوية، ومطالبة الحكومة بتحديد موقفها من التزام الفصل 5.
 المطالبة بتوسيع منطق التقرير السنوي الخاص بالأمازيغية ليشمل كل مكوّنات الفصل 5، ومنها الحسانية.

2. المدخل المالي
 ترافع برلماني وجهوي لإدراج اعتمادات مخصصة للتراث الحساني في قانون المالية لسنة 2027، ضمن ميزانية القطاع الوصي على الثقافة.
 ربط مبدأ «الإنصاف المجالي في الولوج إلى الثقافة» الوارد في التصريح بمؤشرات جهوية تشمل الجهات الجنوبية الثلاث.

3. المدخل المؤسساتي

 تسريع تفعيل هيئة الحسانية واللهجات والتعبيرات الثقافية المحدثة بالمادة 15 من القانون التنظيمي 04.16، وتمكينها من الموارد البشرية والمالية.
 إعداد برنامج وطني لجرد التراث الحساني اللامادي وتوثيقه ورقمنته، بشراكة بين القطاع الوصي والجامعات ومراكز البحث والجهات.

4. المدخل الجهوي والتربوي

 إدراج الثقافة الحسانية في البرامج الجهوية للتنمية لجهات كلميم واد نون، والعيون الساقية الحمراء، والداخلة وادي الذهب، في إطار الاختصاصات الثقافية للجهات.
 إدماج عناصر من الثقافة الحسانية في المناهج الجهوية والأنشطة المدرسية الموازية بالأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين المعنية، وتطوير مسالك جامعية وتكوينات في الدراسات الحسانية.

حاولت هذه الورقة أن تقرأ غياب الحسانية عن التصريح الحكومي لولاية 2026–2031 بوصفه صمتاً دالاً لا فراغاً عرضياً. وقد تبيّن أن هذا الغياب يقع على خلفية تأطير معياري مكتمل (الدستور، والقانون التنظيمي 04.16، ومبادرة الحكم الذاتي، والنموذج التنموي للأقاليم الجنوبية)، وأنه يتكرر بنيوياً في كل المواضع التي كانت تستدعي الإشارة إليها، وأنه يتعمق بالمقارنة مع المعاملة البرنامجية المتقدمة التي حظيت بها الأمازيغية.
ويرجّح التحليل أن الغياب نتاج حالة لاقرار أكثر منه نتاج قرار بالإقصاء: منطق برنامجي لا يكتب إلا ما يقيسه، وإطار ترابي موازٍ يُحال إليه الشأن الثقافي الجنوبي ضمنياً، وترافع لم يبلغ بعد درجة التنظيم التي تفرض الملف على جدول الأعمال. غير أن آثار اللاقرار لا تقل عن آثار القرار: تنزيل انتقائي للدستور، ومفارقة في السردية الوطنية، وتآكل صامت لتراث شفوي هش.

وبهذا المعنى، فإن تدارك الغياب لا يمر فقط عبر مطالبة الحكومة بإدراج الحسانية، بل عبر إعادة صياغة الحسانية نفسها في لغة السياسات العمومية: أهداف قابلة للقياس، ومؤسسات فاعلة، واعتمادات مرصودة، ومؤشرات منشورة. وتلك مهمة يتقاسمها الفاعل الحكومي والبرلماني مع الجامعة والمجتمع المدني والباحثين في الثقافة الحسانية أنفسهم.